المسألة الخامسة : اختلفوا في هذه اللّيلة المباركة ، فقال الأكثرون : إنّها ليلة القدر ، وقال عكرمة وطائفة آخرون : إنّها ليلة البراءة ، وهي ليلة النّصف من شعبان . أمّا الأوّلون فقد احتجّوا على صحّة قولهم بوجوه ؛
أوّلها : أنّه تعالى قال :
إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ
« 1 » ، وهاهنا قال :
إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ
، فوجب أن تكون هذه اللّيلة المباركة هي تلك المسمّاة بليلة القدر ؛ لئلّا يلزم التّناقض .
ثانيها : أنّه تعالى قال :
شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ
« 2 » ، فبيّن أنّ إنزال القرآن إنّما وقع في شهر رمضان ، وقال هاهنا :
إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ
فوجب أن تكون هذه اللّيلة المباركة واقعة في شهر رمضان ، وكلّ من قال : إنّ هذه اللّيلة المباركة واقعة في شهر رمضان ، قال : إنّها ليلة القدر ، فثبت أنّها ليلة القدر .
ثالثها : أنّه تعالى قال في صفة ليلة القدر :
تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيها بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ سَلامٌ هِيَ
، وقال أيضا هاهنا :
فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ
، وهذا مناسب لقوله :
تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيها
، وهاهنا قال :
أَمْراً مِنْ عِنْدِنا
، وقال في تلك الآية :
بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ
، وقال هاهنا :
رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ
، وقال في تلك الآية :
سَلامٌ هِيَ .
وإذا تقاربت الأوصاف وجب القول بأنّ إحدى اللّيلتين هي الأخرى .
رابعها : نقل محمّد بن جرير الطّبريّ في تفسيره عن قتادة أنّه قال : نزلت صحف إبراهيم . . . [ وذكر كما تقدّم عنه ] .
خامسها : أنّ ليلة القدر إنّما سميّت بهذا الاسم ، لأنّ قدرها وشرفها عند اللّه عظيم ، ومعلوم أنّه ليس قدرها وشرفها لسبب ذلك الزّمان ؛ لأنّ الزّمان شيء واحد في الذّات والصّفات ، فيمتنع كون بعضه أشرف من بعض لذاته . فثبت أنّ شرفه وقدره بسبب أنّه حصل فيه أمور شريفة عالية لها قدر عظيم ومرتبة رفيعة ، ومعلوم أنّ منصب الدّين أعلى وأعظم من منصب الدّنيا ، وأعلى الأشياء وأشرفها منصبا في الدّين هو القرآن ؛ لأجل أنّ به
هامش
( 1 ) - القدر / 1 .
( 2 ) - البقرة / 185 .