لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ . . .
القيامة / 16 - 20 .
فيه مسائل ؛
المسألة الأولى : زعم قوم من قدماء الرّوافض أنّ هذا القرآن قد غيّر وبدّل وزيد فيه ونقص عنه « 1 » ، واحتجّوا عليه بأنّه لا مناسبة بين هذه الآية وبين ما قبلها ، ولو كان هذا التّرتيب من اللّه تعالى لما كان الأمر كذلك . واعلم أنّ في بيان المناسبة وجوها ؛
أوّلها : يحتمل أن يكون الاستعجال المنهيّ عنه إنّما اتّفق للرّسول عليه السّلام عند إنزال هذه الآيات عليه ، فلا جرم نهى عن ذلك الاستعجال في هذا الوقت ، وقيل له :
لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ .
وهذا كما أنّ المدرّس إذا كان يلقى على تلميذه شيئا ، فأخذ التّلميذ يلتفت يمينا وشمالا ، فيقول المدرّس في أثناء ذلك الدّرس : لا تلتفت يمينا وشمالا ، ثمّ يعود إلى الدّرس ، فإذا نقل ذلك الدّرس مع هذا الكلام في أثنائه ، فمن لم يعرف السّبب يقول : إنّ وقوع تلك الكلمة في أثناء ذلك الدّرس غير مناسب ، لكن من عرف الواقعة علم أنّه حسن التّرتيب .
ثانيها : أنّه تعالى نقل عن الكفّار أنّهم يحبّون السّعادة العاجلة ، وذلك هو قوله :
بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسانُ لِيَفْجُرَ أَمامَهُ
« 2 » . ثمّ بيّن أنّ التّعجيل مذموم مطلقا حتّى التّعجيل في أمور الدّين ، فقال :
لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ
، وقال في آخر الآية :
كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ .
ثالثها : أنّه تعالى قال :
بَلِ الْإِنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ * وَلَوْ أَلْقى مَعاذِيرَهُ
« 3 » ، فها هنا كان الرّسول صلّى اللّه عليه وسلم يظهر التّعجيل في القراءة مع جبريل ، وكان يجعل العذر فيه خوف النّسيان . فكأنّه قيل له : إنّك إذا أتيت بهذا العذر - لكنّك تعلم أنّ الحفظ لا يحصل إلّا بتوفيق اللّه وإعانته - فاترك هذا التّعجيل واعتمد على هداية اللّه تعالى ، وهذا هو المراد من
هامش
( 1 ) - إنّ القول في نقص القرآن وتبديله يرجع إلى بعض فرق الشّيعة المنقرضة من الغلاة وإلى بعض الأخباريّين منهم ، وأمّا دعوى الزّيادة فإنّها باطلة ؛ إذ لم يذهب إليها أحد من الشّيعة ، كما يأتي في باب عدم تحريف القرآن . ( م )
( 2 ) - القيامة / 5 .
( 3 ) - القيامة / 14 و 15 .