تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نصوص في علوم القرآن — صفحة 121

مساهمون:

ص١٢١
قوله :
لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ .
رابعها : كأنّه تعالى قال : يا محمّد إنّ غرضك من هذا التّعجيل أن تحفظه وتبلّغه إليهم ، لكن لا حاجة إلى هذا ، فإنّ
الْإِنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ
، وهم بقلوبهم يعلمون أنّ الّذي هم عليه من الكفر وعبادة الأوثان ، وإنكار البعث منكر باطل . فإذا كان غرضك من هذا التّعجيل أن تعرّفهم قبح ما هم عليه ، ثمّ إنّ هذه المعرفة حاصلة عندهم ، فحينئذ لم يبق لهذا التّعجيل فائدة ، فلا جرم قال :
لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ .
خامسها : أنّه تعالى حكى عن الكافر أنّه يقول :
أَيْنَ الْمَفَرُّ
، ثمّ قال تعالى :
كَلَّا لا وَزَرَ * إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ
« 1 » ، فالكافر كأنّه كان يفرّ من اللّه تعالى إلى غيره ، فقيل لمحمّد : إنّك في طلب حفظ القرآن ، تستعين بالتّكرار ، وهذا استعانة منك بغير اللّه ، فاترك هذه الطّريقة ، واستعن في هذا الأمر باللّه . فكأنّه قيل : إنّ الكافر يفرّ من اللّه إلى غيره ، وأمّا أنت فكن كالمضادّ له ، فيجب أن تفرّ من غير اللّه إلى اللّه ، وأن تستعين في كلّ الأمور باللّه ، حتّى يحصل لك المقصود على ما قال :
إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ
، وقال في سورة أخرى :
وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً
« 2 » ، أي لا تستعن في طلب الحفظ بالتّكرار بل أطلبه من اللّه تعالى . سادسها : ما ذكره القفّال ، وهو أنّ قوله :
لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ
ليس خطابا مع الرّسول صلّى اللّه عليه وسلم بل هو خطاب مع الإنسان المذكور في قوله :
يُنَبَّؤُا الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وَأَخَّرَ
« 3 » ، فكان ذلك للإنسان حال ما ينبأ بقبائح أفعاله ، وذلك بأن يعرض عليه كتابه ، فيقال له :
اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً
« 4 » فإذا أخذ في القراءة تلجلج لسانه من شدّة الخوف وسرعة القراءة ، فيقال له :
لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ
، فإنّه يجب علينا بحكم الوعد أو بحكم الحكمة أن نجمع أعمالك عليك ، وأن نقرأها عليك ، فإذا قرأناه
هامش
( 1 ) - القيامة / 10 - 12 . ( 2 ) - طه / 144 . ( 3 ) - القيامة / 13 . ( 4 ) - الإسراء / 14 .