فيحتمل أن يقال : إنّه تعالى لو أنزل القرآن على محمّد صلّى اللّه عليه وسلم دفعة واحدة لبطل ذلك المنصب على جبريل عليه السّلام ، فلمّا أنزله مفرّقا منجّما بقي ذلك المنصب العالي عليه ، فلأجل ذلك جعله اللّه سبحانه وتعالى مفرّقا منجّما .
أمّا قوله :
كَذلِكَ
ففيه وجهان : الأوّل : أنّه من تمام كلام المشركين ، أي جملة واحدة ،
كَذلِكَ
، أي كالتّوراة والإنجيل . وعلى هذا لا يحتاج إلى إضمار في الآية ، وهو أن يقول : أنزلناه مفرّقا
لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ .
الثّاني : أنّه كلام اللّه تعالى ذكره جوابا لهم ، أي
كَذلِكَ
أنزلناه مفرّقا .
فإن قيل : ذلك في
كَذلِكَ
يجب أن يكون إشارة إلى شيء تقدّمه ، والّذي تقدّم فهو إنزاله جملة ، فكيف فسّر به كذلك أنزلناه مفرّقا ؟ قلنا : لأنّ قولهم :
لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً
معناه لم نزّل مفرّقا ؟ .
فذلك إشارة إليه . ( 24 : 78 - 79 )
حم * وَالْكِتابِ الْمُبِينِ * إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ . . .
الدّخان / 1 - 6
[ وبعد أن استعرض بعض المسائل حول هذه الآية ، عقّب قائلا : ]
المسألة الثّالثة : يجوز أن يكون المراد بالكتاب هاهنا الكتب المتقدّمة الّتي أنزلها اللّه على أنبيائه ، كما قال تعالى :
لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلَنا بِالْبَيِّناتِ وَأَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ وَالْمِيزانَ
« 1 » . ويجوز أن يكون المراد اللّوح المحفوظ ، كما قال :
يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ
« 2 » . وقال :
وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتابِ لَدَيْنا
« 3 » . ويجوز أن يكون المراد به القرآن ، وبهذا التّقدير فقد أقسم بالقرآن على أنّه أنزل القرآن في ليلة مباركة ، وهذا النّوع من الكلام يدلّ على غاية تعظيم القرآن ، فقد يقول الرّجل إذا أراد تعظيم رجل له حاجة إليه : أستشفع بك إليك وأقسم بحقّك عليك . [ إلى أن قال : ] .
هامش
( 1 ) - الحديد / 25 .
( 2 ) - الرّعد / 39 .
( 3 ) - الزّخرف / 4 .