اعلم أنّ هذا هو الشّبهة الخامسة لمنكري النّبوّة ، وإنّ أهل مكّة قالوا : أتزعم أنّك رسول من عند اللّه ، أفلا تأتينا بالقرآن جملة واحدة كما أنزلت التّوراة جملة على موسى والإنجيل على عيسى والزّبور على داود .
وعن ابن جريح : بين أوّله وآخره اثنتان أو ثلاث وعشرون سنة ، وأجاب اللّه بقوله :
كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ .
وبيان هذا الجواب من وجوه ؛
أحدها : أنّه عليه السّلام لم يكن من أهل القراءة والكتابة ، فلو نزل عليه ذلك جملة واحدة كان لا يضبطه ، ولجاز عليه الغلط والسّهو ، وإنّما نزلت التّوراة جملة لأنّها مكتوبة يقرأها موسى .
ثانيها : أنّ من كان الكتاب عنده فربّما اعتمد على الكتاب وتساهل في الحفظ ، فاللّه تعالى ما أعطاه الكتاب دفعة واحدة ، بل كان ينزّل عليه وظيفة ؛ ليكون حفظه له أكمل ، فيكون أبعد له عن المساهلة وقلّة التّحصيل .
ثالثها : أنّه تعالى لو أنزل الكتاب جملة واحدة على الخلق لنزلت الشّرائع بأسرها دفعة واحدة على الخلق ، فكان يثقل عليهم ذلك ، أمّا لمّا نزل مفرّقا منجّما لا جرم نزلت التّكاليف قليلا قليلا ، فكان تحمّلها أسهل .
رابعها : أنّه إذا شاهد جبريل حالا بعد حال يقوى قلبه بمشاهدته ، فكان أقوى على أداء ما حمّل ، وعلى الصّبر على عوارض النّبوّة ، وعلى احتماله أذيّة قومه ، وعلى الجهاد .
خامسها : أنّه لمّا تمّ شرط الإعجاز فيه مع كونه منجّما ثبت كونه معجزا ، فإنّه لو كان ذلك في مقدور البشر لوجب أن يأتوا بمثله منجّما مفرّقا .
سادسها : كان القرآن ينزل بحسب أسئلتهم والوقائع الواقعة لهم ، فكانوا يزدادون بصيرة ؛ لأنّ بسبب ذلك كان ينضمّ إلى الفصاحة الإخبار عن الغيوب .
سابعها : أنّ القرآن لمّا نزل منجّما مفرّقا وهو عليه السّلام كان يتحدّاهم من أوّل الأمر . فكأنّه تحدّاهم بكلّ واحد من نجوم القرآن ، فلمّا عجزوا عنه كان عجزهم عن معارضة الكلّ أولى ، فبهذا الطّريق ثبت في فؤاده أنّ القوم عاجزون عن المعارضة لا محالة .
ثامنها : أنّ السّفارة بين اللّه تعالى وبين أنبيائه وتبليغ كلامه إلى الخلق منصب عظيم ،