ويرد عليه بأن المنفى في الآية إنما هو الإدراك الذي هو الإحاطة لا أصل الرؤية ومنه
حَتَّى إِذا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ . . .
« 1 » أي أحاط به ،
. . . إِنَّا لَمُدْرَكُونَ . .
« 2 »
أي : محاط بنا وأما مجرد الرؤية بدون إحاطة فليس بمنفى ، ولم يذكر الزمخشري دليلا عقليا على استحالة الرؤية ولكنه اقتصر على استبعاد أن المرئى يكون لا في جهة ، ونقول له إن منشأ ذلك الوهم الذي يستبعد أيضا أن يكون الموجود لا في جهة والعقل السليم يبطل هذا الوهم ويجيز الأمرين معا . وكما نقول لا تحيط به الأفهام مع حصول أصل المعرفة ، نقول لا تحيط به الأبصار مع حصول أصل الرؤية فما دون الإحاطة من الرؤية والمعرفة ثابت غير مستحيل هذا ما أردت ذكره من التعريف بكتاب الكشاف نكتفي منه بهذا القدر خشية الإطالة .
وأما كتاب تنزيه القرآن عن المطاعن فهو للقاضي عبد الجبار بن أحمد بن عبد الجبار بن أحمد بن الخليل ، أبو الحسن البغدادي الهمذاني الأسدآباذي ، شيخ المعتزلة ، فاق أقرانه وصار فريد دهره برع في علم الكلام ووضع فيه كتبا جليلة ضمنها دقيق الكلام وجليله ، وطال عمره مواظبا علي التدريس والإفادة حتى بعد صيته وعظم قدره وإليه انتهت الرئاسة في المعتزلة حتى صار شيخها وصار الاعتماد على كتبه ، استدعاه الصاحب إلى الري بعد سنة ستين وثلاثمائة فبقى فيها مواظبا على التدريس إلى أن توفى رحمه الله سنة أربعمائة وخمسة عشر وقيل وستة عشر وله مصنفات كثيرة في علوم الكلام والأصول والخلاف والتفسير وغيرها ومن أهم كتبه التي أودع فيها آراءه كتابه « تنزيه القرآن عن المطاعن » ولنذكر مزاياه فنقول : - 1 - بناه على ذكر الشبه والإجابة عنها وجعله مسائل وجعل كل مسألة تتضمن سؤالا وجوابه في الآية .
2 - لم يتعرض فيه لتفسير القرآن جميعه وقد يذكر من السورة الطويلة آيات تعد مكتفيا بما يستطيع تأويله على مقتضى عقيدته وإن كان بعيدا .
3 - أيد فيه مذهب المعتزلة في كثير من الآيات وعلى نحوه سلك صاحب الكشاف .
4 - تعرض لدفع شبه كثيرة قد ترد على ظاهر النظم الكريم بما هو آية في التحقيق وغاية في التدقيق لولا ما يعرض في ثنايا تأويله من حمل القرآن الكريم على مذهبه .
وبالجملة : فإنه كتاب - على صغر حجمه وعدم إطالته - قد حوى كثيرا من الفوائد وجمع أنواعا شتى من الفرائد فلا يترك ما فيه من خير كثير لما في ثناياه من رأى كليل ، بل الواجب أخذ زبده وطرح مخضه والله ولى التوفيق .
هامش
( 1 ) يونس : 90 .
( 2 ) الشعراء : 61