فإنهم عرضوا ، فسمعوا ، فالقول مضمر كذلك ومن السائغ لدىّ في الآية الثالثة ، أن تكون من باب تلوين الأسلوب ، فقد كان الحديث عن غائب فلما كان أمر الوصية بالتوحيد معنيّا به العناية كلها ، اتجه إلى المأمور يخاطبه ، موجها له الحديث زيادة في التأكيد ، ولن يكون ذلك إذا كان الحديث عن غائب .
ويحذف المفعول ، عندما يكون المراد الاقتصار على إثبات المعاني ، التي اشتقت منها الأفعال لفاعليها ، من غير تعرض لذكر المفعولين ، فيصبح الفعل المتعدى كغير المتعدى ، ومن أمثلة هذا الحذف ، قوله تعالى :
قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ
( الزمر 9 ) . إذ المعنى أيستوى من له علم ومن لا علم عنده ، من غير أن يقصد النص على معلوم .
وقوله تعالى :
وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكى ( 43 ) وَأَنَّهُ هُوَ أَماتَ وَأَحْيا
( 44 ) ( النجم 43 ، 44 ) . وقوله تعالى :
وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنى وَأَقْنى
« 1 » ( النجم 48 ) . فالمعنى هو الذي منه الإضحاك والإبكاء ، والإماتة ، والإحياء ، والإغناء ، والإقناء ، فالغرض هنا إثبات الفعل للفاعل . قال عبد القاهر « 2 » : وإن أردت أن تزداد تبينا لهذا الأصل . . فانظر إلى قوله تعالى :
وَلَمَّا وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودانِ قالَ ما خَطْبُكُما قالَتا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعاءُ وَأَبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ ( 23 ) فَسَقى لَهُما ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ
( القصص 23 ، 24 ) . ففيها حذف مفعول في أربعة مواضع ، إذ المعنى : وجد عليه أمة من الناس يسقون أغنامهم ، أو مواشيهم ، وامرأتين تذودان غنمهما ، وقالتا لا نسقى غنمنا ، فسقى لهما غنمهما ، ثم إنه لا يخفى على ذي بصر أنه ليس في ذلك كله إلا أن يترك ذكره ، ويؤتى بالفعل مطلقا ، وما ذاك إلا أن الغرض في أن يعلم أنه كان من الناس في تلك الحال سقى ، ومن المرأتين ذود ، وأنهما قالتا لا يكون منا سقى ، حتى يصدر الرعاء ، وأنه كان من موسى عليه السلام من بعد ذلك سقى ، فأما ما كان المسقى ، أغنما أم إبلا أم غير ذلك ، فخارج عن الغرض وموهم خلافه ، وذلك أنه لو قيل : وجد من دونهم امرأتين تذودان غنمهما ، جاز أن يكون لم ينكر الذود من حيث هو ذود ، بل من حيث هو ذود غنم ، حتى لو كان مكان الغنم إبل لم ينكر الذود . . . فاعرفه ، تعلم أنك لم تجد لحذف المفعول في هذا النحو من الروعة والحسن ما وجدت ، إلا لأن في حذفه وترك ذكره فائدة جليلة ، وأن الغرض لا يصح إلا على تركه » .
ويحذف المفعول بعد فعل المشيئة بعد لو ، وبعد حروف الجزاء ، حذرا من التكرير كما في قوله سبحانه :
وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى
( الأنعام 35 ) . ولا يكاد يأتي مفعول المشيئة إلا في الأمور الغريبة المتعجب منها ، كقوله تعالى :
لَوْ أَرَدْنا
هامش
( 1 ) أقنى : أعطى ما يقتنى .
( 2 ) دلائل الإعجاز ص 124 .