سَبْحاً ( 3 ) فَالسَّابِقاتِ سَبْقاً ( 4 ) فَالْمُدَبِّراتِ أَمْراً ( 5 ) يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ ( 6 ) تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ
( 7 ) ( النازعات 1 - 7 ) .
فجواب القسم في ذلك كله محذوف يفهم من السورة التي ورد فيها هذا القسم ، وإن في هذا الحذف بعث النفس على التفكير ، لتهتدى إلى الجواب ، وتظل النفس تتبع هذه الآيات ، يتلو بعضها بعضا ، تستوحى منها هذا الجواب ، الذي لا بدّ أن يكون شيئا عظيما يقسم عليه اللّه ، وإذا أنت تتبعت آيات السورة رأيتها حديثا عن البعث ، وتعجبا من منكريه ، مما يؤذن بأن هذا القسم وارد لتأكيده ، وأنه سيكون لا محالة ، أو لا ترى في حذف هذا الجواب دلالة على مثوله في الذهن لشدة ما شغل النفس ، واستأثر بعميق تفكيرها ، يوم نزل القرآن مؤكدا مجىء اليوم الآخر .
وكذلك يحذف في القرآن جواب - لو ، ولولا ، ولما ، وأما ، وإذا - ويورث هذا الحذف الكلام قوة وشدة أسر :
فمن أمثلة
لَوْ
قوله تعالى :
وَلَوْ تَرى إِذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ
( سبأ 51 ) . أو لا ترى في هذا الحذف إشارة إلى أن الجواب أمر عظيم ، يترك إلى الخيال إدراكه ، أما اللفظ فلا يستطيع الإحاطة به .
وقوله سبحانه :
وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ( 38 ) لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلا عَنْ ظُهُورِهِمْ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ
( 39 ) ( الأنبياء 38 ، 39 ) . وحذف الجواب هنا كأنه يشير إلى تعينه ، فإن من يعلم أنه سيعرض للنار ، فيشوى بها وجهه وظهره ، ولا يجد ناصرا ينصره ، إن لم يؤمن ، يعمل بكل قواه على أن يتقى هذه النار ، فكأن تقدير الآية لو يعلم الذين كفروا . . لما أنكروا البعث ، وما لجوا في كفرهم . وقوله تعالى :
قالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ ما لَنا فِي بَناتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ ما نُرِيدُ ( 79 ) قالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلى رُكْنٍ شَدِيدٍ
( 80 ) ( هود 79 ، 80 ) . وفي حذف الجواب هنا إخفاء لأمنية تجول في نفس لوط ، كأنما لا يستطيع أن يبديها أمام قومه .
وقوله سبحانه :
وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتى
( الرعد 31 ) . وحذف الجواب هنا يشير إلى أنه من الوضوح بمكان ، فلو أن قرآنا أوتى تلك القوة الخارقة ، لكان هذا القرآن جديرا أن تكون له هذه القوة . فإذا لم يتضح جواب ( لو ) ولم يشر إليه سياق الآيات ذكر ، كقوله تعالى :
وَلَوْ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ باباً مِنَ السَّماءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ ( 14 ) لَقالُوا إِنَّما سُكِّرَتْ أَبْصارُنا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ
( 15 ) ( الحجر 14 ، 15 ) ؛ لأنه إذا حذف احتمل وجوها ، منها أن يقال لما آمنوا ، أو لطلبوا ما وراء ذلك .