تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من بلاغة القرآن — صفحة 101

مساهمون:

ص١٠١
ومن حذف جواب
لَوْ لا
قوله تعالى :
إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ( 19 ) وَلَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ
( 20 ) ( النور 19 ، 20 ) . وترك جواب
لَوْ لا
هنا يثير في نفس هؤلاء الذين يحبون أن تشيع الفاحشة الرهبة من عذاب اللّه ، الذي يشير إليه ما بعد لولا . ومن حذف جواب لما قوله سبحانه :
فَلَمَّا أَسْلَما وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ ( 103 ) وَنادَيْناهُ أَنْ يا إِبْراهِيمُ ( 104 ) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ
( 105 ) ( الصافات 103 - 105 ) . وفي هذا الحذف إشارة كذلك إلى أن اللفظ لا يستطيع أن يصف ما أصاب إبراهيم وابنه من المسرة والابتهاج . ومن حذف جواب أما قوله تعالى :
فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ
، واستغنى هنا عن الجواب وهو القول ، إذ التقدير فيقال لهم : أكفرتم بعد إيمانكم استغناء بالمقول عنه . ومن حذف جواب إذا قوله سبحانه :
وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا ما بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَما خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ( 45 ) وَما تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آياتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ
( يس 45 ، 46 ) . وكأن في حذف جواب إذا إشارة إلى أنه معروف واضح عند المخاطبين ، لا يكاد يحتاج إلى أن يذكر ، فضلا عما في الآية الثانية من دلالة عليه فكأنه قيل : وإذا قيل لهم اتقوا ما بين أيديكم وما خلفكم لعلكم ترحمون ، أعرضوا ، وبينت الآية التالية أن هذا الإعراض سجية لهم ، فلا تكاد الآية تأتى إليهم حتى يعرضوا عنها . ويعتمد القرآن على ذكاء قارئه فيحذف من الجمل ما يستطيع القارئ أن يدركه ، لأن السياق يستلزمه ويستدعيه ، فمن ذلك قوله تعالى ، في قصة سليمان عليه السلام :
قالَ سَنَنْظُرُ أَ صَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكاذِبِينَ ( 27 ) اذْهَبْ بِكِتابِي هذا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ ما ذا يَرْجِعُونَ ( 28 ) قالَتْ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ
( 29 ) ( النمل 27 - 29 ) . فحذف ما حذف هنا من تفصيلات جزئية تدرك من السياق ، وفي تخطيها وصول إلى العناصر الجوهرية في القصة ، وقل مثل ذلك في قوله تعالى :
يا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا ( 7 ) قالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا ( 8 ) قالَ كَذلِكَ قالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً ( 9 ) قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيًّا ( 10 ) فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرابِ فَأَوْحى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا ( 11 ) يا يَحْيى خُذِ الْكِتابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا
( 12 ) ( مريم 7 - 12 ) . فأغفل القرآن الحديث عن مجىء الغلام ، ونشأته ، وترعرعه ، مما ليس بعنصر أساسي في القصة ، ما دامت مخاطبته بأخذ الكتاب مغنية عنه ، ونهج القرآن ذلك النهج في كثير من قصصه ، ويدخل البلغاء كل ما ذكرناه من الحذف في باب الإيجاز .
من بلاغة القرآن — صفحة 101 | احمد احمد بدوي