تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من بلاغة القرآن — صفحة 97

مساهمون:

ص٩٧
هذا الأسلوب الموجز وبين أن يقال . « وما أدراك ماهية ، هي نار حامية » من الإسراع إلى ذكر النار ، بعد أن أثار الشوق بالسؤال عنها ، وعلى ذلك قوله تعالى :
وَما أَدْراكَ مَا الْحُطَمَةُ . نارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ
، وقوله تعالى :
صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ
( البقرة 18 ) . فما دام في معرض الحديث عنهم ، ليس في حاجة إلى إعادة ذكرهم . ويحذف الخبر عندما يقوم دليل في الكلام عليه ، فيكون ذكره كاللغو ، واقرأ قوله تعالى :
وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً
( الطلاق 4 ) . فالصمت عن الخبر ، وعطف اللائي لم يحضن على اللائي يئسن ، مؤذن باتحادهما في الخبر . وتأمل حذف الخبر في قوله سبحانه :
أَ فَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ
( الزمر 22 ) . أولا ترى في حذف الخبر ما يشير إلى أن عقد الموازنة بين من هو على نور من ربه ، ومن هو قاسى القلب مظلمة ، لا تستسيغه النفس ، حتى في معرض الإنكار . ويحذف الفعل إذا وقعت جملته جواب سؤال ، فيكون في ذكر الفاعل إسراع بذكر المسؤول عنه ، بعد أن فهمت النفس الفعل المسؤول عنه ، واستقر أمره في الفؤاد ، ومن ذلك قوله سبحانه :
قُلْ كُونُوا حِجارَةً أَوْ حَدِيداً ( 50 ) أَوْ خَلْقاً مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُؤُسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتى هُوَ قُلْ عَسى أَنْ يَكُونَ قَرِيباً
( 51 ) ( الإسراء 50 ، 51 ) . ومثله قوله سبحانه :
وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ
( العنكبوت 61 ) . وحذف الفعل في باب التحذير ، مثل قوله تعالى :
فَقالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ناقَةَ اللَّهِ وَسُقْياها
( الشمس 13 ) . يشير إلى أن هذا المفعول المذكور منهى عن المساس به ، بأي نوع من أنواع الأذى ، ففي حذف الفعل تعميم ، لا يتأتى إذا ذكر فعل بعينه . وحذف فعل القول في الجمل القرآنية الآتية :
وَعُرِضُوا عَلى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونا كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ
( الكهف 48 ) . أي فقيل لهم : لقد جئتمونا ؛ وقوله تعالى :
وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا
( الأحقاف 20 ) . أي ، فيقال لهم :
أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ
، وقوله تعالى :
وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْناً وَإِنْ جاهَداكَ لِتُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما
( العنكبوت 8 ) . أي وقلنا له إن جاهداك . . هذا الحذف يصور ما حدث ، ولما كان ما حدث هو أنهم عرضوا على اللّه صفّا ، ثم سمعوا هذا التأنيب ، فكان القول مضمرا في الواقع ، فأضمر في الجملة المعبرة عنه ، وعلى هذا النسق نرى قوله تعالى :
وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ
( الأحقاف 20 ) .
من بلاغة القرآن — صفحة 97 | احمد احمد بدوي