تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من بلاغة القرآن — صفحة 95

مساهمون:

ص٩٥

الذكر والحذف

يذكر القرآن ما يذكره ، مما يبدو أن السياق يجيز حذفه ، عندما يكون في هذا الذكر تثبيت للمعنى ، وتوطيد له في النفس ، ويكون في ذكره فضلا عن ذلك معان لا تستفاد إذا حذف فمما ذكر فيه المسند إليه قوله تعالى :
قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ( 1 ) اللَّهُ الصَّمَدُ
( 2 ) ( الإخلاص 1 ، 2 ) ، ذكر اسم الجلالة في الجملة الثانية ليستقر في النفس مرتبطا بخبره ، وليفيد بتعريفه وتعريف الخبر أنه وحده السيد الذي يقصد إليه ، عند اشتداد الخطوب ، وفضلا عن ذلك نرى في الأسلوب هذا التناسق الموسيقى ، الذي يفقد إذا حذفنا لفظ اللّه ، برغم ما في الكلام مما يدل عليه . ومن ذلك قوله تعالى :
وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا
( الإسراء 85 ) . ألا ترى في ذكر الروح وارتباطها بخبرها ، ما يثبت معنى الجملة في نفسك ، ولا يشتت أركانها في فؤادك ، فيذكر لك ما يتحدث عنه صراحة ، ولا يدعك تلتمسه من الكلام . وإن شئت فاحذف كلمة الروح من الجملة ، وانظر أتجد المعنى في الجلاء والاستقرار مثله عندما تذكر . ومن هذا الباب قوله تعالى :
وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى ( 17 ) قالَ هِيَ عَصايَ
( طه 17 ، 18 ) وذكر البلاغيون أن ذكر المسند إليه هنا للرغبة في إطالة الكلام ، وتلذذا بهذه الإطالة ، هذا التلذذ الذي دفع موسى إلى أن يتحدث بما لم يسأل عنه ، فقال :
أَتَوَكَّؤُا عَلَيْها وَأَهُشُّ بِها عَلى غَنَمِي وَلِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى
( طه 18 ) . ويذكر المسند إليه أيضا صراحة ، تأكيدا لوقوع المسند ، إذا كان ذكر اسمه مما يطمئن السامع إليه ، واقرأ قوله تعالى :
لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ عَلَى الْقاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً
( المائدة 95 ) . أو لا ترى في ذكر اسم اللّه بعد الوعد ضمانا لتنفيذه ، كما يذكر للتصوير الباعث على الرهبة ، كما في قوله تعالى :
إِذا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزالَها ( 1 ) وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقالَها
( 2 ) ( الزلزلة 1 ، 2 ) . فذكر الأرض إلى جانب إخراج الأثقال ، يصور هذا الجرم الهائل ، وقد انشق عن فجوات تقذف بما ضمت الأرض من أثقال ،
من بلاغة القرآن — صفحة 95 | احمد احمد بدوي