وذكرها وهي المكان المستقر الثابت الذي نجد على سطحه الاستقرار ، يصورها مائدة مضطربة تحت أقدامنا ، فأي فزع يلم بنا عند هذا التصور . كما يذكر تأكيدا لنعمة أداها ، فيكون ذكره مثيرا لشكره ، كما في قوله تعالى :
وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنالُوا خَيْراً وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ
( الأحزاب 25 ) . ألا ترى هذه النعمة الكبرى نعمة حقن دماء المسلمين جديرة بذكر المنعم ، ليشكر .
وفي ذكر المسند كذلك تثبيت لمعنى الجملة في النفس ، وقد يثير حذفه برغم ما قد يدل عليه ، معنى لا يراد ، وتأمل قوله تعالى :
أُولئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ
( المائدة 41 ) . ففي تكرير لهم ما يشعر بكمال قوة الجزاءين ، ويؤكد أن العذاب العظيم قد أعد لهم في الآخرة .
ويحذف الفاعل من الجملة عندما تدل عليه قرينة واضحة ، فيصبح كالمتعين الذي تنصرف إليه النفس أول وهلة ، كما تجد ذلك في قوله تعالى :
كَلَّا إِذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ ( 26 ) وَقِيلَ مَنْ راقٍ ( 27 ) وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِراقُ
( 28 ) ( القيامة 26 - 28 ) . فالحديث في ذكر الموت ، ولا يبلغ التراقى عند الموت إلا النفس ، وإذا نظرنا إلى الآيتين الكريمتين اللتين حذف الفاعل منهما ، وهما قوله تعالى :
وَلَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ ما خَوَّلْناكُمْ وَراءَ ظُهُورِكُمْ وَما نَرى مَعَكُمْ شُفَعاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ ما كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ
( الأنعام 94 ) . وقوله تعالى :
ثُمَّ بَدا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما رَأَوُا الْآياتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ
( يوسف 35 ) . وجدنا ذكر الفعل في الجملة الأولى مغنيا عن ذكر فاعله ، فالمراد أن التقطع حل بينهم مكان التواصل ، فكأنه قيل : لقد تم التقاطع بينكم ، وفي الجملة الثانية أغنى ذكر ليسجننه ، بما فيه من أدوات التوكيد عن ذكره ، وكان المجيء بتلك الجملة مصورا لما حدث من هؤلاء القوم ، ومعبرا عما كان من أمرهم ، وهم يتشاورون في أمر يوسف ، فقد قلبوا وجوه الرأي بينهم ، ثم بدا لهم في عقولهم أمر ، عبروا عنه بقولهم : ليسجننه ، فكانت الآية حاكية لما حدث ، مصورة له .
ويحذف المبتدأ عندما يكون ذكر الخبر المتصف بصفة ، كأنه يشير إلى هذا المبتدأ ، وكأنما بلغ من الشهرة بهذا الوصف مبلغا يغنى عن ذكره ، كما تجد ذلك في قوله سبحانه :
كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ
( هود 1 ) .
ويحذف لأن ذكره يبعث في النفس السأم ، لشدة وضوحه ، لقرب الحديث عنه ، كما تحس بذلك في قوله تعالى :
ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ
( البقرة 2 ) . أو لا ترى أن في ذكر الضمير العائد على الكتاب قلقا ، لشدة قرب الكتاب الماثل أمام النفس ، ومن ذلك قوله سبحانه :
وَما أَدْراكَ ما هِيَهْ ( 10 ) نارٌ حامِيَةٌ
( 11 ) ( القارعة 10 ، 11 ) . وتأمل الفرق بين