تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من بلاغة القرآن — صفحة 94

مساهمون:

ص٩٤
وتقدم ضمير المخاطبين على الضمير العائد على الأولاد في قوله سبحانه :
وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ
( الأنعام 151 ) . وفي موضع آخر ، تقدّم الضمير العائد على الأولاد ، وتأخر ضمير المخاطبين في قوله :
وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ
( الإسراء 31 ) . ولعل السّر في ذلك أنه في الآية الأولى يخاطب آباء مملقين ، بدليل قوله من إملاق ، فكان من البلاغة أن يسرع فيعد هؤلاء الآباء بما يغنيهم من الرّزق ، وأن يكمل ذلك بعدتهم برزق أبنائهم ، حتى تسكن نفوسهم ، ولا يجد القلق سبيلا إليها . أما في الآية الثانية فالخطاب للأغنياء ، بدليل قوله خشية إملاق ، فإنه لا يخشى الفقر إلا من كان غنيّا ، إذ الفقير منغمس في الفقر ، فكان من البلاغة أن يقدم وعد الأبناء بالرزق ، حتى يسرع بإزالة ما يتوهمون من أنهم بإنفاقهم على أبنائهم ، صائرون إلى الفقر بعد الغنى ، ثم مضى يكمل طمأنينتهم فوعدهم بالرزق بعد عدة أبنائهم به . وهكذا نرى القرآن الكريم ، لا ينهج في ترتيب كلماته سوى هذا المنهج الفنّى الذي يقدم ما يقدم ، لمعنى نفهمه وراء رصف الألفاظ ، وحكمة ندركها من هذا النسج المحكم المتين . * * *