أَدْنى مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ ما كانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ
( المجادلة 7 ) . وأما قوله سبحانه :
قُلْ إِنَّما أَعِظُكُمْ بِواحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنى وَفُرادى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ
( سبأ 46 ) . فقد سيقت في مقام دعوتهم إلى التفكير في شأن محمد ورسالته ، وربما كان اجتماعهم مثنى ، أسرع في وصولهم إلى الحق ، فقد تعترض أحدهم شبهة ، فيبددها صاحبه ، ولهذا قدم مثنى على فرادى .
ولتقديم الكثير على ما دونه ، ولهذا قدم السارق على السارقة في قوله تعالى :
وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما جَزاءً بِما كَسَبا نَكالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ
( المائدة 38 ) . لأن السرقة في الذكور أكثر . والأزواج على الأولاد ، في قوله تعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْواجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ
( التغابن 14 ) ؛ لأن العداوة في الأزواج أكثر منها في الأولاد .
وقدمت الأموال على الأولاد ، في قوله سبحانه :
إِنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ
( التغابن 15 ) . لأن الأموال أكثر فتنة من الأولاد ، كما قدمت في الآية الكريمة :
الْمالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَياةِ الدُّنْيا
( الكهف 46 ) . ولكنه عند ذكر الشهوات ، قدم النساء والبنين عليها ، فقال :
زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَناطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعامِ وَالْحَرْثِ ذلِكَ مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ
( آل عمران 14 ) .
ولشرف المقدم وعلو رتبته ، ولهذا قدم اسمه تعالى في قوله سبحانه :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ
( النساء 59 ) . وقوله تعالى :
وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً
( المؤمنون 50 ) . أما قوله تعالى :
وَجَعَلْناها وَابْنَها آيَةً لِلْعالَمِينَ
( الأنبياء 91 ) . فلأن الكلام السابق كان حديثا عنها .
ولأنه أدل على القدرة ، كما في قوله تعالى :
وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ ماءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى أَرْبَعٍ
( النور 45 ) . ومما يحتاج إلى تدبر لإدراك سر تقدمه قوله سبحانه :
لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ
( البقرة 255 ) . فقد يبدو أن نفى النوم بعد السنة لا محل له ، فنفى السنة يدل من باب أولى على نفى النوم ، ولكن نسق الآية يريد أن ينفى الشبه بين اللّه والإنسان ، فهو قيوم ، مدبر لشؤون السماوات والأرض ، لا يدركه ما يدرك الناس ، من سنة ، يعقبها نوم ، فيترك شؤون العالم ، ولا يديرها ، فالترتيب هنا ترتيب زمنى ، لا ترتيب يتجه إلى نفى الأدنى فالأكثر .