تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من بلاغة القرآن — صفحة 92

مساهمون:

ص٩٢
فَلا تَنْهَرْ
( 10 ) ( الضحى 9 ، 10 ) ، وعد ابن الأثير منها قوله تعالى :
وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ فَإِذا هُمْ مُظْلِمُونَ ( 37 ) وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ ( 38 ) وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ حَتَّى عادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ
( 39 ) ( يس 37 - 39 ) . قال « 1 » : فقوله :
وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ
، ليس تقديم المفعول به على الفعل من باب الاختصاص ، وإنما هو من باب مراعاة نظم الكلام ، فإنه قال :
اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ
، ثم قال :
وَالشَّمْسُ تَجْرِي
، فاقتضى حسن النظم أن يقول :
وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ
، ليكون الجميع على نسق واحد في النظم أي أن تبدأ الجمل كلها بالأسماء المتناسبة . وبتقديم بعض المعطوفات والصفات على بعض ، كما يتقدم السبب على المسبب ، في قوله سبحانه :
إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ
( الفاتحة 5 ) . فتقديمهم العبادة على الاستعانة ، تقديم للوسيلة ، قبل طلب الحاجة ، وذلك أنجح في توقع حصولها ، وقوله سبحانه :
وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُوراً ( 48 ) لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنا أَنْعاماً وَأَناسِيَّ كَثِيراً
( 49 ) ( الفرقان 48 ، 49 ) . فتقدم ذكر البلدة الميتة ؛ لأن في حياتها حياة الأنعام ، فمن نباتها تأكل وتنمو ، وتقدم الأنعام على الأناس ، لأن في حياة تلك حياة هؤلاء ؛ ولهذا قدمت التوبة ، على الطهارة ، في قوله تعالى :
إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ
( البقرة 222 ) . وقدم الإفك على الإثم في قوله سبحانه :
وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ
( الجاثية 7 ) . والاعتداء عليه ، في قوله تعالى :
وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ ( 10 ) هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ ( 11 ) مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ
( 12 ) ( القلم 10 - 12 ) . ويرد الحكيم بعد العليم ، في معظم الآيات التي ورد فيها الوصفان ، فإن ورد الوصف بالحكمة أولا كان ذلك لاتجاهات أخرى ، اقتضاها سياق الآية . وتتقدم الكلمة لتقدمها في الزمن ، أو العمل ، كما في الآيات التي ورد فيها ذكر الأنبياء وكتبهم ، فإن بعضهم يتقدم على بعض ، يسبق زمنه ، كقوله تعالى :
وَأَنْزَلَ التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ ( 3 ) مِنْ قَبْلُ هُدىً لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقانَ
( آل عمران 3 ، 4 ) . وقوله تعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا
( الحج 77 ) . وقوله تعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ
( المائدة 6 ) . وللترقى من العدد القليل إلى الكثير ، كما في قوله سبحانه :
فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ
( النساء 3 ) . وقوله تعالى :
أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سادِسُهُمْ وَلا
هامش
( 1 ) المثل السائر ص 179 .
من بلاغة القرآن — صفحة 92 | احمد احمد بدوي