تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من بلاغة القرآن — صفحة 91

مساهمون:

ص٩١
إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ
( الفاتحة 5 ) . فاللّه هنا وحده أهل العبادة ، ومنه وحده نستمد المعونة ، وقوله :
خُذُوهُ فَغُلُّوهُ ( 30 ) ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ ( 31 ) ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُها سَبْعُونَ ذِراعاً فَاسْلُكُوهُ
( 32 ) ( الحاقة 30 - 32 ) . أولا ترى أن الجحيم وهذه السلسلة ، لن يفلت منهما أبدا هذا العاصي الأثيم ، وقوله تعالى :
اقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذا هِيَ شاخِصَةٌ أَبْصارُ الَّذِينَ كَفَرُوا
فتقديم شاخصة « 1 » على أبصار ، يصورها لك كأن كل صفة أخرى لها قد انمحت ، ولم يبق لها سوى الانفتاح الذي يؤذن بالخوف ، والذهول معا . ولذلك كان نفى الغول « 2 » مقصورا على خمر الآخرة ، دون خمر هذه الحياة الدنيا ، دل على ذلك قوله تعالى :
يُطافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ ( 45 ) بَيْضاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ ( 46 ) لا فِيها غَوْلٌ وَلا هُمْ عَنْها يُنْزَفُونَ ( 47 )
( الصافات 45 - 47 ) . وكان الإنكار منصبا على عبادة غير اللّه في قوله تعالى :
قُلْ أَ فَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجاهِلُونَ
( الزمر 64 ) . قال عبد القاهر « 3 » « ومن أجل ذلك قدم
غَيْرَ
في قوله تعالى :
أَ غَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ
( الأنعام 40 ) . وكان له من الحسن والمزية والفخامة ما تعلم أنه لا يكون لو أخر فقيل : قل أأتخذ غير اللّه وليّا ، وأتدعون غير اللّه ، وذلك لأنه قد حصل بالتقديم معنى قولك أيكون غير اللّه بمثابة أن يتخذ وليّا ، وأيرضى عاقل من نفسه أن يفعل ذلك ، أو يكون جهل أجهل ، وعمى أعمى من ذلك ؟ ! ولا يكون شئ من ذلك إذا قيل : أأتخذ غير اللّه وليّا ، وذلك لأنه حينئذ يتناول الفعل أن يكون فقط ، ولا يزيد على ذلك فاعرفه . وكذلك الحكم في قوله تعالى :
أَ بَشَراً مِنَّا واحِداً نَتَّبِعُهُ
( القمر 24 ) . وذلك لأنهم بنوا كفرهم على أن من كان مثلهم بشرا ، لم يكن بمثابة أن يتبع ويطاع ، وينتهى إلى أن يأمر ويصدق أنه مبعوث من اللّه تعالى ، وأنهم مأمورون بطاعته » . وقلّ في القرآن أن يأتي التقديم للاحتفاظ بالموسيقى في الآية القرآنية ، ولزيادة التناسق اللفظي فحسب ، ومن ذلك قوله تعالى :
فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى ( 67 ) قُلْنا لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلى
( 68 ) ( طه 67 ، 68 ) . فالتقديم والتأخير لهذه الصياغة التي يعنى بها القرآن ، وهي إحدى وسائل تأثيره في النفس ، وأصل الجملة « فأوجس موسى في نفسه خيفة » وإذا أنت قرنت هذا التعبير بالآية السابقة واللاحقة ، وجدت خروجا على النسق ، ونفرة لا تلتئم . وللمحافظة على هذه الموسيقى كذلك ورد قوله تعالى :
فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ ( 9 ) وَأَمَّا السَّائِلَ
هامش
( 1 ) شخص بصره فتح عينيه وجبل لا يطرف . ( 2 ) غاله يغوله غولا إذا أهلكه وأفسده . ( 3 ) دلائل الإعجاز ص 95 .