كما يتقدم كل ما يهتم به ويعنى . وخذ قوله تعالى :
وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخاشِعِينَ
( البقرة 45 ) . تجد المستعان عليه في الآية غير مذكور ، لا تخففا من ذكره ، ولكن ليوحى هذا الحذف إلى النفس أن كل ما يقوم أمام المرء من مشقة ، وما يعترضه من صعوبات ، يستعان على التغلب عليه ، بالصبر والصلاة .
تمضى الجملة القرآنية ، وقد كونت من كلمات قد اختيرت ، ثم نسقت في سلك من النظام ، فلا ضعف في تأليف ، ولا تعقيد في نظم ، ولكن حسن تنسيق ، ودقة ترتيب ، وإحكام في تلاؤم . واقرأ قوله تعالى :
ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ ( 2 ) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ ( 3 ) وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ ( 4 ) أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ
( 5 ) ( البقرة 2 - 5 ) . ترى آيات قد التحم نسجها ، وارتبط بناء بعضها ببعض ، تسلم الجملة إلى أختها ، في التئام واتساق ، فالجملة الأولى قد وصفت القرآن بالكمال ، ووصفته الجملة الثانية ، بأنه لا يعلق به الريب ، لا في أخباره ، ولا في نسبته إلى اللّه ، وفي الجملة التالية جعله هاديا لأولئك الذين يخشون اللّه ويتقونه ، ومضت الآية الثانية تصف هؤلاء الذين ينتفعون بالقرآن ، فهم الذين يوقنون بما أنبأهم به من أمور غائبة لا يرونها ، ويقومون بواجبهم للّه ، فيؤدون الصلاة كما يجب أن تؤدى ، وواجبهم للمجتمع ، فيقدمون من أموالهم ما يساعدون به البائس والمعتر ، ولا يتعصبون لرسول دون رسول ، بل يؤمنون بما أنزل على محمد ، وما أنزل من قبله ، ورأس الإيمان وأساسه هو إيمانهم باليوم الآخر ، لأن ذلك الإيمان يدفع إلى العمل الصالح ، وينهى عن المنكر والبغى ، فلا جرم أن كان أولئك على هدى من ربهم وكانوا هم المفلحين .
ذلك مثل من أمثلة الارتباط القوى بين جمل الآية القرآنية ، وكثير من الجمل في القرآن توحى إليك ألفاظها ، بمعان لا يستطيع لفظ أن يحدها ، بل يترك للنفس أمر إدراكها ، وحسبي أن أشير من ذلك إلى قوله سبحانه :
وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ لا تَسْفِكُونَ دِماءَكُمْ وَلا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ ( 84 ) ثُمَّ أَنْتُمْ هؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِنْكُمْ مِنْ دِيارِهِمْ تَظاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ
( البقرة 84 ، 85 ) . أولا توحى إليك جملة
ثُمَّ أَنْتُمْ هؤُلاءِ
بالفرق بين ما كان يجب أن يكونوا عليه ، وما هم حقيقة عليه ، فأي خيبة أمل تملأ النفس منهم ، أو لا تدل هذه الجملة القصيرة على سخط شديد ، وتعجب لأمور ما كان ينتظر حدوثها ، ونتائج كانت المقدمات تمهد لغيرها .