وقوله تعالى :
وَقالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كانَ هُوداً أَوْ نَصارى تِلْكَ أَمانِيُّهُمْ قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ
( البقرة 111 ) . أولا تحس في قوله سبحانه :
تِلْكَ أَمانِيُّهُمْ
؛ بالتهكم اللاذع بهم ، وأن تلك الأماني التي تجول في صدورهم ، لن تجد لها سبيلا إلى التحقق في غير أحلامهم .
وتستخدم الجملة الفعلية في القرآن للدلالة على التجدد والحدوث ، والاسمية للثبوت والاستمرار ، والمراد بالتجدد في الماضي حصوله ، وفي المضارع تكراره ، تأمل ذلك في قوله تعالى على لسان إبراهيم :
الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ ( 78 ) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ ( 79 ) وَإِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ
( الشعراء 78 - 80 ) . فأتى في الخلق بالماضي لحصوله مرة واحدة ، وفيما عداه بالمضارع لتكرره طول الحياة ، وتأمل قوله تعالى :
قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 26 ) تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَتُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ
( آل عمران 26 ، 27 ) . تجد المضارع هنا دالا على ما يتجدد من فعل اللّه سبحانه في كل حين ، ومن الجملة الاسمية قوله تعالى :
أُولئِكَ جَزاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها
( آل عمران 136 ) .
وقد يتغير اتجاه الجملة تبعا لتغيّر الاتجاه النفسي ففاتحة الكتاب قد تلون فيها الحديث ، وتغير اتجاه الجملة ، فكان حديثا عن اللّه المستحق للحمد ، وكان التصريح باسمه وصفاته مؤذنا بأنه أهل للحمد والثناء ، فإذا كان المقام مقام العبادة والاستعانة ، تحولت الجملة إلى الخطاب إيذانا بقربك ممن تحمد قربا قلبيا ، ويسمح لك الشعور بهذا القرب أن تطلب منه العون والمساعدة ، ويستمر الخطاب في الجمل إلى
اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ . صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ
حتى إذا جاء دور المغضوب عليهم ، تحول الأسلوب مرة أخرى ، فمن تعظيم اللّه ترك مخاطبته بإسناد الغضب إليه والإضلال .
وقوله تعالى :
وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً ( 88 ) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدًّا
( 89 ) ( مريم 88 ، 89 ) .
فالانتقال من الحديث عنهم ، إلى الحديث إليهم زيادة في تهديد من قالوا ، ومواجهة لهم بالسخط عليهم ، والتأنيب لهم . ومن ذلك قوله تعالى :
سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ
( الإسراء 1 ) . فقد يكون ظاهر السياق أن يقال : « سبحان الذي أسرى بعبده ليلا ، من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى ، الذي بارك حوله ، ليريه من