وقوله سبحانه :
وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّءا لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بُيُوتاً وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ
( يونس 87 ) ، فربما ظن أن وجه العبارة أن تسند الأفعال كلها إلى ضمير الاثنين : « موسى وهارون » ولكنه أسند الفعل مرتين إلى واو الجماعة إشارة إلى أن هذا التكليف لا يخصهما فحسب ، بل هما وقومهما جميعا ، ثم أفرد الفعل في آخر الآية يشير بذلك إلى أن المخاطب أولا وبالذات إنما هو أحدهما ، وهو الرسول موسى .
ومن ذلك قوله تعالى :
قالُوا يا هُودُ ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ وَما نَحْنُ بِتارِكِي آلِهَتِنا عَنْ قَوْلِكَ وَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ ( 53 ) إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ قالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ
( 54 ) ( هود 53 ، 54 ) ، فلم يقل : وأشهدكم ، لما يشعر به هذا التعبير من العناية بأمرهم ، لجعلهم قرناء للّه ، في الشهادة عليه ؛ أما التعبير بفعل الأمر ففيه تنبيه لهم ، وإيقاظ ، حتى يتلقوا ما سيلقيه عليهم ، مؤذنا إياهم بمباينتهم فيما يعبدون .
وتأمل سر تلوين الأسلوب في قوله تعالى :
قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ
( الأعراف 29 ) . فقد أبرز هذا التلوين العناية بكل واحد مما أمروا به على حدة ، فاتجه أمر الرب إلى القسط وحده ، ثم أمروا أمرا جديدا ، بأن يقيموا وجوههم عند كل مسجد ، وأمرا جديدا آخر بأن يدعوه مخلصين له الدين ، وفي ذلك من العناية بتوكيد كل أمر ما فيه ، ولم يجعل أحد هذه الأمور ملحقا بصاحبه - وانظر تفخيم أمر النبي صلوات اللّه عليه من تغيير نهج الأسلوب ، في قوله تعالى :
وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاؤُكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً
( النساء 64 ) . إذ لم يقل : واستغفرت لهم .
ومن ذلك استعمال أحد الفعلين الماضي والمضارع ، موضع صاحبه ، فيأتي بالمضارع مكان الماضي ؛ لإحضار صورة الفعل أمام السامع ، حتى لكأنه يشاهده ؛ وليس ذلك مما يثيره الفعل الماضي ، لأن سامعه قد يكتفى بأن يتخيل فعلا قد مضى ، وربما لا يستحضر صورته أو تكرره . واقرأ قوله تعالى :
أَ فَكُلَّما جاءَكُمْ رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ
( البقرة 87 ) . تجد الفعل المضارع قد صور جريمتهم كأنهم يرتكبونها ؛ وفي ذلك من التشنيع عليهم ما فيه . وقوله تعالى :
وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحاباً فَسُقْناهُ إِلى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها كَذلِكَ النُّشُورُ
( فاطر 9 ) . ففي ( تثير ) ما يحضر تلك الصورة الطبيعية ، الدالة على القدرة الباهرة . وقوله تعالى :
وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّما خَرَّ مِنَ السَّماءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكانٍ سَحِيقٍ
( الحج 31 ) . ففي ذكر المضارع استحضار صورة