آياته ، إنه هو السميع البصير » ، ولكنه عدل عن الغيبة إلى الحضور في وسط الآية ، تعظيما من شأن المسجد الأقصى ، ومن شأن ما يرى اللّه من آياته . وقوله سبحانه :
وَما لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ
( يس 22 ) . فقد يتراءى أن اتجاه الآية يقضى بأن تنتهى بقوله : وإليه أرجع : ولكنه عدل عن ذلك ؛ لأن المقام مقام نقاش بين من آمن ومن كفروا ؛ فهو ينتهز كل فرصة ليقنعهم فيها بوجود الإيمان باللّه واليوم الآخر . أولا تدلنا هذه الخاتمة على أن كمال الأدب هو الذي صاغ العبارة هذا الصوغ . وأنه يخفى وراءها قوله : وما لكم لا تعبدون الذي فطركم ؛ وقد يكون في تعبيره هذا موحيا لهم بأنه لا يريد لهم غير ما يريد لنفسه ؛ وذلك أسرع إلى قبول النصح ، وأشد إظهارا للإخلاص .
ومن ذلك قوله سبحانه :
هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِها جاءَتْها رِيحٌ عاصِفٌ وَجاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنا مِنْ هذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ ( 22 ) فَلَمَّا أَنْجاهُمْ إِذا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ
( يونس 22 ، 23 ) . فقد كان السياق يقضى أن تسير الآية على الخطاب . ولكنه انتقل ليقص قصة هؤلاء الذين لا يذكرون اللّه إلا عند شدة تنزل بهم ، حتى إذا انقضت المحنة بغوا في الأرض ، وفي ذلك تعجيب من أمر هؤلاء القوم ، وإنكار عليهم كفرهم بأنعم اللّه ، ونسيانهم التخلص من المآزق متى ابتعدوا عنها ، وفي الحديث عن غائبين إيحاء للمخاطبين بألا يفعلوا هذا الفعل المستنكر . وعلى منوال هذه الآية يجرى قوله تعالى :
إِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ ( 92 ) وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ كُلٌّ إِلَيْنا راجِعُونَ
( 93 ) ( الأنبياء 92 ، 93 ) .
وقوله سبحانه :
يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ يُحيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِماتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ
( الأعراف 158 ) . فقد يكون ظاهر السياق يقضى أن يقول : ( فآمنوا باللّه وبي ) ، ولكنه عدل عن ذلك ليبين الدوافع التي تدعو إلى الإيمان به واتباعه » .
وقوله تعالى :
ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ ( 11 ) فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحى فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها وَزَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَحِفْظاً ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ
( 12 ) ( فصلت 11 ، 12 ) . فعند ما جاء الحديث عن زينة السماء الدنيا ، نسب ذلك إلى نفسه صراحة ، لما فيها من الجمال الذي يبهر نفس رائيه ، والنفع الملموس لهم ، فذكرهم اللّه بأنه خالق هذا الجمال ، ومبدع هذه الزينة .