مِنَ السَّماءِ فِيهِ ظُلُماتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ
( البقرة 19 ) . فالمطر لا يكون إلا من السماء ، ولكن التعبير عن المطر بالصيب ، ووصفه بأنه من السماء ، يصوره لك كأنما هو حجارة مصوبة ، تهبط من هذا العلو الشاهق ، فتصيب بأذاها هذا السائر الضال .
وقوله تعالى :
إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْواهِكُمْ ما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ
( النور 15 ) . وقوله تعالى :
وَما جَعَلَ أَدْعِياءَكُمْ أَبْناءَكُمْ ذلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْواهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ
( الأحزاب 4 ) . فأفواهكم تدل في الآية الأولى على أن الحديث الذي يجرى على ألسنتهم حديث لم يشترك فيه العقل ، ولم يصدر عنه ، وفي الآية الثانية ، تدل على أن النطق اللساني ، لا يغير من الحقيقة شيئا ، فهو لا يتعدى اللسان ، إلى ما في الأفئدة من حقائق .
وقوله تعالى :
ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ
( الأحزاب 4 ) . ففي ذكر الجوف تأكيد لإنكار وجود قلبين لرجل ، فإذا تصور القارئ جوفا ، بادر بإنكار أن يكون فيه قلبان .
وذكر واحدة في قوله تعالى :
فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ واحِدَةٌ ( 13 ) وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً ( 14 ) فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْواقِعَةُ
( 15 ) ( الحاقة 13 - 15 ) . - فضلا عما فيه من صيانة النغم الموسيقى ، يوحى بقصر النفخة ، وسرعة الدكة ، وفي ذلك من إثارة الرعب ، وتصوير شدة الهول ما فيه . وقوله تعالى :
أَ فَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى ( 19 ) وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى
( 20 ) ( النجم 19 ، 20 ) . تجد فيه وصف مناة بالثالثة ، زيادة عما فيه من الحفاظ على الاتساق القرآني ، والموسيقى المتناسبة ، إشارة إلى ما منى به هؤلاء القوم من ضعف في العقول ، وفساد في التفكير ، حتى إنهم لم يقفوا بإشراكهم عند حد إلهين ، بل زادوا عليهما ثالثا ، وإني أشعر بالتهكم المر في قوله :
الْأُخْرى
.
وقد كفاني الأدباء أمر البحث في توجيه قوله سبحانه :
فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ
( البقرة 196 ) . فقوله :
تِلْكَ عَشَرَةٌ
مع أن الثلاثة والسبعة معلوم أنها عشرة ، رفع لتوهم أنها ثلاثة في الحج أو سبعة في الرجوع لاحتمال الترديد . وقوله :
كامِلَةٌ
مع أن العشرة لو نقصت لم تكن عشرة ، فائدته أنّ التفريق ما نقص أجرها ، بل أجرها كامل ، كما لو كانت متوالية فنسب الكمال إليها ، لكمال أجرها « 1 » .
هامش
( 1 ) الأقصى القريب ص 8 .