تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من بلاغة القرآن — صفحة 83

مساهمون:

ص٨٣
فلا وأبيك ابنة العامري * لا يدعى القوم أنى أفر
ومنها ما كان للنفي تعظيما للمقسم به ، كما في قوله تعالى :
فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ ( 75 ) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ
( 76 ) ( الواقعة 75 ، 76 ) . وليس ذلك بمانع من أن تكون هذه الصيغة مؤكدة لما يذكر بعدها . أما الآية الكريمة :
قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ
( الأنعام 151 ) . فنظرة إليها تريك أنه لم يذكر فيها المحرم ، وإنما ذكر فيها ما أمروا به ، من عدم الشرك باللّه ، والإحسان إلى الوالدين ، إلى غير ذلك ، فكان المحرم عليهم ضد هذا الذي ذكره ، فليست لا زائدة بل هي للنفي ، والجملة متسقة مع ما تلاها . وما ليست زائدة في الآيات الثلاث الواردة ، بل هي نكرة تامة بمعنى شئ ، وما بعدها بدل كل منها ، والمجيء بهذه النكرة متصلة بحرف الجر ، وهي تبعث في النفس معنى مبهما ، ليزداد الشوق إلى معرفة معناها ، حتى إذا ورد استقر في النفس واطمأنت إليه . ولا يكون ذلك إلا حيث يكون الكلام مرتبطا بأمر عظيم ، كالرحمة التي ألانت قلب الرسول ، والخطيئات التي أغرقتهم فأدخلوا بها النيران ، ونقض المواثيق التي كانت سبب ما يعانونه من اللعنة وسوء المصير . أما من في الآية الكريمة فاسم بمعنى بعض . والواو في الآيتين ليست بزائدة ، وجواب إذا ولما محذوف ترك إلى النفس إدراكه ، حتى كأن العبارة لا تفي بالدلالة عليه . ومن كل ذلك يبدو أن ما يمكن عده زائدا ، إنما هو حروف نادرة ، جئ بها لأغراض بلاغية ، وفت هذه الحروف الزائدة ، ويظهر أن تسميتها زائدة معناه أنها لا يرتبط بها حكم إعرابي ، لا أنها لم تؤد في الجملة معنى . وورد في القرآن ما يبدو للنظرة السريعة أنه يمكن الاستغناء عنه ، ولكن التأمل يبين عن دقة بارعة ، في اختيار هذا التعبير ، وبلاغة مؤثرة في المجيء به ، وهاك قوله تعالى :
فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هذا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلًا
( البقرة 79 ) . فتأمل قوله بأيديهم يصور بها جريمة الافتراء ، ويرسم بها مقدار اجترائهم على اللّه ، ويؤكد ارتكابهم الجريمة بأنفسهم ، وإن شئت فأسقط تلك الكلمة ، وانظر أي فراغ تتركه إذا سقطت . وقوله تعالى :
قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيانَهُمْ مِنَ الْقَواعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتاهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ
( النحل 26 ) . فمن فوقهم صورت هذه الكارثة ، التي نزلت بهم أكمل تصوير ، ومن هذا الباب قوله سبحانه :
أَوْ كَصَيِّبٍ