الفصل الثاني الآية القرآنية
تكونها :
كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ
( هود 1 ) . ذلك خير ما توصف به الجملة القرآنية ، فهي بناء قد أحكمت لبناته ، ونسقت أدق تنسيق ، لا تحس فيها بكلمة تضيق بمكانها ، أو تنبو عن موضعها ، أو لا تعيش مع أخواتها ، حتى صار من العسير بل من المستحيل ، أن تغير في الجملة كلمة بكلمة ، أو أن تستغنى فيها عن لفظ ، أو أن تزيد فيها شيئا ، وصار قصارى أمرك إذا أردت معارضة جملة في القرآن ، أن ترجع بعد طول المطاف إليها ، كأنما لم يخلق اللّه لأداء تلك المعاني ، غير هذه الألفاظ ، وكأنما ضاقت اللغة ، فلم تجد فيها ، وهي بحر خضم ، ما تؤدى به تلك المعاني غير ما اختاره القرآن لهذا الأداء .
والجملة القرآنية تتبع المعنى النفسي ، فتصوره بألفاظها ، لتلقيه في النفس ، حتى إذا استكملت الجملة أركانها ، برز المعنى ، ظاهرا فيه المهم والأهم ، فليس تقديم كلمة على أخرى صناعة لفظية فحسب ، ولكن المعنى هو الذي جعل ترتيب الآية ضرورة لا معدى عنه ، وإلا اختل وانهار . خذ مثلا قوله تعالى :
وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْماعِيلُ رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ
( البقرة 127 ) .
تجد إسماعيل معطوفا على إبراهيم ، فهو كأبيه يرفع القواعد من البيت ، ولكن تأخره في الذكر ، يوحى بأن دوره في رفع القواعد دور ثانوي ، أما الدور الأساسي فقد قام به إبراهيم ، « قيل كان إبراهيم يبنى ، وإسماعيل يناوله الحجارة « 1 » » فنزلت الآية ، وكأنما كانت ستنسى دور إسماعيل لثانويته ، ثم ذكرته بعد أن انتهت من تكونها .
وخذ قوله تعالى :
إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ
( الفاتحة 5 ) . فإنك ترى تقديم المفعول هنا ؛ لأنه موضع عناية العابد ورجاء المستعين ، فلا جرم وهو مناط الاهتمام أن يتقدم
هامش
( 1 ) الكشاف ج 1 ص 74 .