تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من بلاغة القرآن — صفحة 82

مساهمون:

ص٨٢
وعليه فتأويل الآية : « هذا حميم وغساق ، فليذوقوه » وإنما أسرع بالجملة الطلبية ، تهديدا لهم ، وتشفيا منهم . ولا وجه لزيادة « في » من قوله سبحانه :
وَقالَ ارْكَبُوا فِيها
( هود 41 ) . لأن ركوبهم كان في السفينة . ولم ير صاحب الكشاف الكاف زائدة بل وجه الآية الكريمة بقوله : « قالوا مثلك لا يبخل ، فنفوا البخل عن مثله ، وهم يريدون نفيه عن ذاته ، قصدوا المبالغة في ذلك ، فسلكوا به طريق الكناية ؛ لأنهم إذا نفوه عمن يسد مسده ، وعمن هو على أخص أوصافه ، فقد نفوه عنه ، ونظيره قولك للعربي : العرب لا تخفر الذمم ، كان أبلغ من قولك : أنت لا تخفر ، ومنه قولهم قد أيفعت لداته ، وبلغت أترابه ، يريدون إيفاعه وبلوغه ، فإذا علم أنه من باب الكناية لم يقع فرق بين قوله : « ليس كاللّه شئ » ، وبين قوله :
لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ
« 1 » . وإذا ضمنت
رَدِفَ
معنى دنا ، في قوله سبحانه :
وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ( 71 ) قُلْ عَسى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ
( 72 ) ( النمل 71 ، 72 ) . لم تعد اللام زائدة ، كما لا تصير اللام زائدة في الآية التالية إذا جعلناها وما بعدها متعلقة بالفاعل المحذوف ، وكان تأويل الجملة : هيهات هيهات الوقوع لما توعدون ، وكان حذف الفاعل لوضوح دلالة الجملة عليه . أما لا الواقعة بعد منع في الآيتين فزائدة ، أريد بها تصوير فعل الممتنع ، فإبليس في الآية الأولى لم يسجد ، حين أمره اللّه ، وهارون في الثانية لم يتبع موسى ، وعصى أمره . وأريد بها كذلك تصوير ما يكون من هؤلاء الكفرة ، إذا استجيب لهم ، ونزلت الآية التي اقترحوها ، فقال تعالى :
وَما يُشْعِرُكُمْ أَنَّها إِذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ
( الأنعام 109 ) . - وتصوير أمر القرية التي أهلكت ، وأن من المحال عودتها فقال سبحانه :
وَحَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ
( الأنبياء 95 ) . - وبيان ما يكون من هذا البشر الذي يؤتيه اللّه الكتاب والحكم والنبوة ، فهو لا يأمر باتخاذ الملائكة والنبيين أربابا . وتشعر في لا وهي زائدة في قوله تعالى :
لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ
( الحديد 29 ) . بأن أهل الكتاب هؤلاء ، لن يتدبروا الأمر تدبرا يؤدى بهم إلى الإيمان ، وأن علمهم حينئذ سيكون كلا علم ، فكأنهم لم يعلموا . وأما لا الواردة في القسم القرآني ، فإنها مزيدة توطئة للنفي بعده ، وتوكيدا له ، كما في قوله سبحانه :
فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ
( النساء 65 ) . وذلك مستفيض في أشعارهم ، كقول امرئ القيس :
هامش
( 1 ) الكشاف ص 388 ج 2 .