تهزها ، مبعدة هذا الجذع حينا ، ومقربة له إليها حينا آخر . وأما الباء في ( بسبب ) فعلى تضمين يمدد معنى يتصل ، إذ ليس المراد مطلق مد سبب إلى السماء ، بل الهدف أن يعلق المغيظ نفسه بهذا السبب ، فساغ لذلك هذا التضمين ودلت الباء عليه .
وليست الباء في ( بإلحاد ) داخلة على المفعول به بل هو محذوف ، والجار والمجرور حال من فاعل يرد ، كشأن الجار والمجرور بعده ، والمعنى ومن يرد فيه مرادا ما ، عادلا عن القصد ، ظالما ، والإلحاد العدول عن القصد « 1 » فالباء للمصاحبة لا زائدة .
وليس من الضروري جعل الباء زائدة في
بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ
، بل من الممكن أن تكون بمعنى في ، والتقدير في أيكم المفتون ، أي سنرى ويرون في أي الفريقين منكم يكون المجنون ، أفي فريق المسلمين ، أم في فريق الكافرين .
ولم يرتض ابن هشام أن تكون الباء في ( بمثلها ) زائدة ، بل قال : والأولى تعليق بمثلها ، باستقرار محذوف ، هو الخبر « 2 » ؛ كما لم يرتض زيادة الباء في بأنفسهن في الآية الكريمة ، بل قال : « فيه نظر ، إذ حق الضمير المرفوع المتصل ، المؤكد بالنفس ، أو العين ، أن يؤكد أولا بالمنفصل ، نحو قمتم أنتم أنفسكم ، ولأن التوكيد هنا ضائع ، إذ المأمورات بالتربص ، لا يذهب الوهم إلى أن المأمور غيرهن ، بخلاف قولك زارني الخليفة نفسه « 3 » » وعلل صاحب « 4 » الكشاف ذكر الأنفس هنا ، فقال : « في ذكر الأنفس تهييج لهن على التربص ، وزيادة بعث ، لأن فيه ما يستنكفن منه ، فيحملهن على أن يتربصن ، وذلك أن أنفس النساء طوامح إلى الرجال ، فأمرن أن يقمعن أنفسهن ، ويغلبنها على الطموح ، ويجبرنها على التربص » .
وليست ( الفاء ) في قوله سبحانه :
هذا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ
( ص 57 ) . -
بزائدة ، بل هي آية ضمت ثلاث جمل قصيرة ، يوحى قصرها الخاطف بالرهبة في النفس ، والخوف ؛ فالجملة الأولى مبتدؤها مذكور حذف خبره ، فكأنه قال :
هذا حق ثابت لا مراء فيه ، وكأنه يشير إلى ما تقدم من قوله :
جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها فَبِئْسَ الْمِهادُ
( ص 56 ) . ثم فرع على ذلك العذاب الذي أعد لهم ، قائلا :
فَلْيَذُوقُوهُ
ذاكرا ضميرا يبعث في النفس ترقب تفسيره ، ففسره بأن ما سيذوقونه حميم يحرق بحرّه ، وغساق يقتل ببرده ، ولم يذكر المبتدأ هنا إسراعا إلى ذكر العذاب المعد لهم . وخرجه ابن هشام « 5 » على أن خبر هذا هو حميم وغساق ، لا الجملة الطلبية ،
هامش
( 1 ) مدارك التنزيل ج 3 ص 76 .
( 2 ) مغنى اللبيب ج 1 ص 179 .
( 3 ) المرجع السابق نفسه .
( 4 ) ج 1 ص 106 .
( 5 ) المرجع السابق ص 247 .