تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من بلاغة القرآن — صفحة 75

مساهمون:

ص٧٥
فكان منهم المثقف ثقافة أدبية ممتازة ، ولم يكن ما نسميه الآن غريبا ، بغريب عند هؤلاء الذين تحداهم القرآن ، فلم يكن استخدامه حينئذ معيبا ولا مستكرها ، ومثال ذلك استعمال عباقرة الشعراء ألفاظا يعرفها جمهور المتأدبين ، ويتذوقون جمالها ، وإن كانت غير دائرة على ألسنة العامة ، فلا يعاب الشاعر على هذا الاستخدام ، ولا ينقص ذلك من قدر كلامه ، بل يضع أدبه في مستوى الأدب الرفيع ، الذي هدره وتدرك قيمته الصفوة الممتازة من الأدباء . ومما يدل على أن القرآن يؤثر رفعة الأسلوب أنه يفضل أحيانا كلمة أدبية ، على أخرى شائعة عامية ، فتراه يستخدم
إِلْحافاً
في قوله تعالى :
يَحْسَبُهُمُ الْجاهِلُ أَغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيماهُمْ لا يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحافاً
( البقرة 273 ) . مكان « إلحاحا » وربما كان لتكرير الحاءين في الكلمة أثر في الإعراض عنها ، وليس ذلك بعجيب على كتاب نزل ، ليتحدى أبلغ البلغاء ، مستخدما أجمل وأرقى ما يعرفونه من الألفاظ . وينبغي أن نقرر أن ما نسميه اليوم غريب القرآن ، قد برئ من الثقل على اللسان ، والكراهة على السمع ، والقرآن الكريم لا يستخدم هذا النوع من الألفاظ إلا قليلا ، وليس كل ما ذكره المؤلفون في القرآن مما يندرج في هذا النوع ، بل يضعون فيه كل ما يرتفع قليلا عن مستوى العام الشائع ، فتجد السجستاني مثلا يعد منه كلمات « انفصام ، وإسرافا ، وادرءوا ، وإعصار » « 1 » ، وليس ذلك بغريب . أما ما نعده اليوم غريبا فعدد محدود من الكلمات ، مثل
قَضْباً
و ( أبا ) في قوله تعالى :
أَنَّا صَبَبْنَا الْماءَ صَبًّا ( 25 ) ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا ( 26 ) فَأَنْبَتْنا فِيها حَبًّا ( 27 ) وَعِنَباً وَقَضْباً ( 28 ) وَزَيْتُوناً وَنَخْلًا ( 29 ) وَحَدائِقَ غُلْباً ( 30 ) وَفاكِهَةً وَأَبًّا
( 31 ) ( عبس 25 - 31 ) . والقضب : القث ، والأب ما ترعاه الأنعام ، ويقال : الأب للبهائم كالفاكهة للناس « 2 » ، وقد جاءت الكلمتان فاصلتين محافظتين أقوى محافظة على النغم الموسيقى ، كما أن الكلمة الثانية استخدمت في معناها الدقيق . وعلى هذا الوجه جاءت
إِدًّا
في قوله تعالى :
لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدًّا
( مريم 89 ) . بمعنى الأمر العظيم . وقد يكون ما يحيط بالكلمة دالا على معناها ، كما نجد ذلك في « أركس » في قوله تعالى :
كُلَّما رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيها
( النساء 91 ) . وفي
أَكِنَّةً
في قوله تعالى :
وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً
( الأنعام 25 ) . و
أَمْتاً
بمعنى ارتفاعا وهبوطا « 3 » من قوله تعالى :
وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْجِبالِ فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفاً ( 105 ) فَيَذَرُها قاعاً
هامش
( 1 ) غريب القرآن ص 36 و 37 . ( 2 ) المرجع السابق ص 28 و 180 . ( 3 ) المرجع السابق ص 17 .