صَفْصَفاً ( 106 ) لا تَرى فِيها عِوَجاً وَلا أَمْتاً
( 107 ) ( طه 105 - 107 ) . و ( ألتنا ) بمعنى نقصنا ، من قوله تعالى :
وَما أَلَتْناهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ
( الطور 21 ) .
ويكاد يكون هذا الأمر مبدأ عاما في معظم ما نسميه اليوم بالغريب ، فهو مع قلته يحاط بما يشير إلى معناه ، وقد يتولى القرآن نفسه تفسير ما يرد من تلك الألفاظ ، ويكون ذلك في موضع الترهيب والزجر ، أو الوعد بالخير ، فيكون النطق بهذه الكلمة الغريبة ، مثيرا في نفس سامعها السؤال عنها ، والتنبه القوى لمعناها ، حتى إذا جاء هذا المعنى استقر في النفس ، فملأها خوفا ، أو غمرها بالبهجة والحبور ، ومن أمثلة ذلك قوله تعالى :
سَأُصْلِيهِ سَقَرَ ( 26 ) وَما أَدْراكَ ما سَقَرُ ( 27 ) لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ ( 28 ) لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ ( 29 ) عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ ( 30 ) وَما جَعَلْنا أَصْحابَ النَّارِ إِلَّا مَلائِكَةً وَما جَعَلْنا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا
( 31 ) ( المدثر 26 - 31 ) . وقوله تعالى :
كَلَّا إِنَّ كِتابَ الفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ ( 7 ) وَما أَدْراكَ ما سِجِّينٌ ( 8 ) كِتابٌ مَرْقُومٌ ( 9 ) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ( 10 ) الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ
( 11 ) ( المطففين 7 - 11 ) . ومثله قوله سبحانه :
كَلَّا إِنَّ كِتابَ الْأَبْرارِ لَفِي عِلِّيِّينَ ( 18 ) وَما أَدْراكَ ما عِلِّيُّونَ ( 19 ) كِتابٌ مَرْقُومٌ ( 20 ) يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ
( 21 ) ( المطففين 18 - 21 ) .
ولعل من وجوه بلاغة استخدام هذه الألفاظ الأدبية التي لم تشع على الألسنة إلّا قليلا ، ما نراه من اختيار ما حسن وقعه على الأذن ، وجريه على اللسان منها ، ثم في وضعه حيث لا يغنى غيره من الألفاظ غناءه ، لتناسب موسيقاه ، أو لأنه يؤدى المعنى الدقيق دون سواه ، وفي ذلك من براعة الاستعمال ما لا نجده في الألفاظ المستعملة الشائعة .
وإذا أردت أن تعرف ما عده العلماء من غريب القرآن ، فارجع إلى مؤلف السجستاني ، وإلى كتاب الإتقان ( ج 1 ص 115 ) وفيهما تفسير هذا الغريب ، وفي الإتقان أبيات الشعر ، التي استشهد بها على معاني ما ورد في القرآن من هذه الألفاظ .
المعرب
واستخدم القرآن ألفاظا تكلمت بها العرب ، وأدخلتها في لغتها ، وإن كانت في أصلها ليست من اللغة العربية ، وقد صقلتها العرب بألسنتها ، وشذبتها ، وربما تكون قد غيرت بعض حروفها ، أو أسقطت بعضها ، وإذا أدخلت العرب هذه الألفاظ ، استغنت بها غالبا عن أن تضع ألفاظا في معناها .
ومن هذه الكلمات المعربة التي استخدمها القرآن ، وهي في جملتها طائفة قليلة ، كلمة ( إبريق ) « 1 » في قوله تعالى :
يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ ( 17 ) بِأَكْوابٍ وَأَبارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ
( 18 ) ( الواقعة 17 - 18 ) . وكلمات
إِسْتَبْرَقٍ
، و
زَنْجَبِيلًا
، و
سُنْدُسٍ
، و ( سلسبيل ) « 2 » ، في قوله سبحانه :
وَيُسْقَوْنَ فِيها كَأْساً كانَ مِزاجُها
هامش
( 1 ) المعرب للجواليقى ص 23 .
( 2 ) المرجع السابق ص 15 و 174 و 177 و 189 على التوالي .