تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من بلاغة القرآن — صفحة 73

مساهمون:

ص٧٣
ما يجعل هذه المناسبة أمرا مرعيّا ، وتجد بعض ذلك في كتاب الإتقان « 1 » ، ومن ذلك إيثار أغرب اللفظين نحو
قِسْمَةٌ ضِيزى
وقد أحسن ابن الأثير توجيه هذه اللفظة إذ قال « 2 » : « إنها في موضعها لا يسد غيرها مسدها ؛ ألا ترى أن السورة كلها - التي هي سورة النجم - مجموعة على حرف الياء فقال تعالى :
وَالنَّجْمِ إِذا هَوى ( 1 ) ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى
( 2 ) ( النجم 1 ، 2 ) . وكذلك إلى آخر السورة . فلما ذكر الأصنام وقسمة الأولاد ، وما كان يزعمه الكفار ، قال :
أَ لَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثى ( 21 ) تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزى
( 22 ) ( النجم 21 ، 22 ) . فجاءت اللفظة على الحرف المسجوع الذي جاءت السورة جميعها عليه ، وغيرها لا يسد مسدها في مكانها . وإذا نزلنا معك أيها المعاند على ما تريد قلنا : إن غير هذه اللفظة أحسن منها ، ولكنها في هذا الموضع لا ترد ملائمة لأخواتها ، ولا مناسبة ؛ لأنها تكون خارجة عن حروف السورة ، وسأبين ذلك فأقول : إذا جئنا بلفظة في معنى هذه اللفظة ، قلنا : ( قسمة جائرة أو ظالمة ) ولا شك أن ( جائرة ، أو ظالمة ) أحسن من
ضِيزى
، إلا أنا إذا نظمنا الكلام ، فقلنا : « ألكم الذكر وله الأنثى ، تلك إذا قسمة جائرة ، لم يكن النظم كالنظم الأول ، وصار الكلام كالشئ المعوز ، الذي يحتاج إلى تمام ، وهذا لا يخفى على من له ذوق ومعرفة بنظم الكلام » ، هذا وإن غرابة هذه اللفظة من أشد الأشياء ملاءمة لغرابة هذه القسمة . وقد يشتد التقارب الموسيقى في الفواصل ، حتى تتحد الفاصلتان في الوزن والقافية ، كما في قوله تعالى :
فِيها سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ ( 13 ) وَأَكْوابٌ مَوْضُوعَةٌ
( 14 ) ( الغاشية 13 ، 14 ) . وقوله :
إِنَّ إِلَيْنا إِيابَهُمْ ( 25 ) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ
( 26 ) ( الغاشية 25 ، 26 ) . وقوله :
إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ ( 13 ) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ
( الانفطار 13 ، 14 ) . وقد تختلفان في الوزن ، ولكنهما تتقاربان في حروف السجع ، كقوله تعالى :
ما لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقاراً ( 13 ) وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْواراً
( 14 ) ( نوح 13 ، 14 ) . وقد تتساوى الفاصلتان في الوزن دون التقفية ، كقوله تعالى :
وَنَمارِقُ مَصْفُوفَةٌ ( 15 ) وَزَرابِيُّ مَبْثُوثَةٌ
( 16 ) ( الغاشية 15 ، 16 ) . وقوله :
وَآتَيْناهُمَا الْكِتابَ الْمُسْتَبِينَ ( 117 ) وَهَدَيْناهُمَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ
( 118 ) . ( الصافات 117 ، 118 ) . وقد تختلفان وزنا وقافية ، ولكنهما تتقاربان ، كقوله تعالى :
الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ( 3 ) مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ
( 4 ) ( الفاتحة 3 ، 4 ) . وقوله :
ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ ( 1 ) بَلْ عَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقالَ الْكافِرُونَ هذا شَيْءٌ عَجِيبٌ
( 2 ) ( ق 1 ، 2 ) . ويسمى العلماء الفواصل المتفقة في الحرف الأخير متماثلة ، وما عداها
هامش
( 1 ) ج 2 ص 99 . ( 2 ) المثل السائر ص 62 .