تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من بلاغة القرآن — صفحة 72

مساهمون:

ص٧٢
الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ
( 59 ) ( النور 58 ، 59 ) . فالآيتان في الاستئذان ، وقد ختمتا بفاصلة متحدة . واتحدت الفاصلة في قوله سبحانه :
بَلى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ ( 81 ) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ
( 82 ) ( البقرة 81 ، 82 ) . للموازنة بين خلودين ، أحدهما في الجنة ، والآخر في السعير . وقد تحدث العلماء عما يكون في الآية مما يشير إلى الفاصلة ، ويسمون ذلك تصديرا وتوشيحا ، أما التصدير فأن تكون اللفظة قد تقدمت مادتها في الآية ، ودعوه رد العجز على الصدر ، ومثلوا له بقوله تعالى :
أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً
( النساء 166 ) . وقوله تعالى :
هَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ
( آل عمران 8 ) . وقوله تعالى :
وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ
( الأنعام 10 ) . وقوله تعالى :
انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا
( الإسراء 21 ) . وقوله تعالى :
قالَ لَهُمْ مُوسى وَيْلَكُمْ لا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِباً فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذابٍ وَقَدْ خابَ مَنِ افْتَرى
( طه 61 ) . وقوله تعالى :
فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفَّاراً
( نوح 10 ) . وفي ذلك وشبهه ما يدل على التحام الفاصلة بالآية التحاما تاما ، يستقر في النفس وتتقبله أعظم قبول . وحينا يظن أن الآية تهيئ لفاصلة بعينها ، ولكن القرآن يأتي بغيرها ، إيثارا لما هو ألصق بالمعنى ، وأشد وفاء بالمراد . ومن ذلك قوله سبحانه :
وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قالُوا أَ تَتَّخِذُنا هُزُواً قالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ
( البقرة 67 ) . فربما وقع في النفس أن الفاصلة ترتبط بالاستهزاء ، وتتصل به ، ولكنها جاءت تبرءوا من الجهل . وفي ذلك إشارة إلى أن الاستهزاء بالناس جهل وسفه ، لا يليق أن يصدر من عاقل ذي خلق . أما ما سموه توشيحا ، فهو أن يكون معنى الآية مشيرا إلى هذه الفاصلة ، ومثلوا له بقوله تعالى :
إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْراهِيمَ وَآلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ
( آل عمران 33 ) . فإن الاصطفاء يكون من الجنس ، وجنس هؤلاء المصطفين ، هو العالمون ، وبقوله تعالى :
وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ فَإِذا هُمْ مُظْلِمُونَ
( يس 37 ) . هذه الفواصل لها قيمتها في إتمام المعنى ، وهي مرتبطة - كما رأينا - بآياتها تمام الارتباط ، ولها أثرها الموسيقى في نظم الكلام ، ولهذه الموسيقية أثرها في النفس ، وأسلوب القرآن فيه هذه الموسيقى المؤثرة ، ومن أجلها حدث في نظم الآي
من بلاغة القرآن — صفحة 72 | احمد احمد بدوي