تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من بلاغة القرآن — صفحة 285

مساهمون:

ص٢٨٥
المثلى للإنسان المثالي ، ولم يقتصر الابتهال على طلب التوفيق في أمور الدين ، بل شمل طلب السعادة في شؤون الدنيا ، فقد أثنى اللّه على الذين يقولون :
رَبَّنا هَبْ لَنا مِنْ أَزْواجِنا وَذُرِّيَّاتِنا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إِماماً
( الفرقان 74 ) .

بعض صور الحياة الجاهلية

سجل القرآن بعض ألوان هذه الحياة ، منددا بها حينا ، وممتنا عليهم حينا آخر ، أن نقلهم من تلك الحياة ، إلى حياة أخرى رفيعة ، وإنما عارض القرآن الحياة التي نزل ليهذبها ، أو يغير من عاداتها وعقائدها ، ولذا كانت الحياة الجاهلية التي يعرض بعض صورها هي تلك التي عاصرها القرآن ، أما الجاهلية القديمة ، فمما لم يعن القرآن بها ، إلا إذا كانت آثارها لا تزال باقية . فمن الناحية الدينية ، صور القرآن العرب طوائف ، فطائفة - ولعلها الغالبية الكبرى - قوم يشركون باللّه ، ويتخذون أصناما يعبدونها ، ويتقربون إليها ، والقرآن يصورهم برغم اعترافهم بأن اللّه هو الذي خلقهم وخلق السماوات والأرض وسخر الشمس والقمر ، وله ملك السماوات والأرض ، وهو الرازق المدبّر - برغم ذلك يتخذون من الأوثان آلهة ، وقد سجل القرآن تلك العقيدة في قوله :
وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِها لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ
( العنكبوت 63 ) ،
وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ
( العنكبوت 61 ) .
وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ
( الزخرف 87 ) .
قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيها إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ( 84 ) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ
( المؤمنون 84 ، 85 ) .
قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ
( يونس 31 ) . وقد كان من الطبيعي أن يتجهوا إلى اللّه وحده بعبادتهم ، ما داموا يعتقدونه متصفا بتلك الصفات ، ولكنهم أشركوا به غيره في العبادة ، واتخذوا من الأصنام المنحوتة آلهة يعبدون ، وجعلوا لهذه الآلهة نصيبا من أرزاقهم يقدمونه قرابين إليها ، وحينا يجعلون للّه نصيبا من هذه القرابين ، ولأوثانهم نصيبا ، ثم ينسون نصيب اللّه ويقدمونه لهذه الأوثان . وذكر القرآن أسماء بعض هذه الأصنام إذ قال :
أَ فَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى ( 19 ) وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى
( 20 ) ( النجم 19 ، 20 ) . وقد ندد القرآن بهذا الإشراك في العبادة ، وتسوية هذه الأصنام باللّه ، فقال :
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْداداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ
( البقرة 165 ) . ذلك أنهم اتخذوا هذه الأصنام
من بلاغة القرآن — صفحة 285 | احمد احمد بدوي