الابتهال
من الأغراض التي جاءت في القرآن تعليم المؤمن كيف يتجه إلى اللّه ، وتخلص نفسه من شوائب هذه الحياة ، فيتجه إليه حينا يحمده ويستعينه ، كما في فاتحة الكتاب ، وقد فرضت هذه الفاتحة سبع عشرة مرة في اليوم ، وفي الاستعانة باللّه بين الحين والحين في الليل والنهار تقوية للروح المعنوية في المرء ، وتربية لضميره .
وهذا ابتهال آخر ، يلجأ فيه الإنسان بضعفه إلى اللّه في قوته ، يطلب منه أن يسبغ عليه غفرانه وأن ينصره ، فيقول :
رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا رَبَّنا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا أَنْتَ مَوْلانا فَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ
( البقرة 186 ) .
ونؤمر بأن نذكر عظمة اللّه وجلاله وقوته في أسلوب يجمع إلى قوة المعنى فخامة الأسلوب ،
قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 26 ) تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَتُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ
( 27 ) ( آل عمران 26 ، 27 ) .
وفي هذا الابتهال تصعد الكلمات مسجلة نعمة الإيمان ، ضارعة إلى اللّه أن يبعد الخزي ، مؤمنة بحكمة خلق السماوات والأرض ،
رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلًا سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النَّارِ ( 191 ) رَبَّنا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ ( 192 ) رَبَّنا إِنَّنا سَمِعْنا مُنادِياً يُنادِي لِلْإِيمانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئاتِنا وَتَوَفَّنا مَعَ الْأَبْرارِ ( 193 ) رَبَّنا وَآتِنا ما وَعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ وَلا تُخْزِنا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعادَ
( 194 ) ( آل عمران 191 - 194 ) . وفي تكرير كلمة الرب ما يشعر بهذه الصلة الروحية السامية ، التي بها يطمع المؤمن في أن يستجاب له .
وفي سورة الفلق ، يلجأ الإنسان إلى اللّه من شر ما يستكن في الظلام من شرور ، ومن شر ما يستكن في النفوس المظلمة من هذه الشرور ، وفي سورة الناس يلجأ إلى اللّه أن يحميه من إغواء الشيطان ومن على شاكلته من الناس .
وقد يكون فيما يعلمنا اللّه من دعاء بيانا للخطة المثلى الواجبة الاتباع ، كما تجد ذلك في قوله تعالى :
رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنا عَذابَ النَّارِ
( البقرة 201 ) . فقد بينا فيما مضى أن تلك الصلة بالدنيا والآخرة هي الصلة