ولكن بعمله ، فقرر أن العالم مكون من شعوب وقبائل للتعارف ، لا للتناحر والتنافر ،
يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا
( الحجرات 13 ) . فلا يكون ذلك مصدر حرب وقتال ، ولا سببا للتكاثر والافتخار ، وقرر أخوّة المؤمنين ، لا فرق بين عربى وعجمي ، وأن مصدر التفاضل عند اللّه إنما هو التقوى فقال :
إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ
( الحجرات 10 ) .
إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ
( الحجرات 13 ) . وقد امتن اللّه على العرب بإنقاذهم من تلك الحياة التي يسودها البغض ، ويملؤها العداء فقال :
وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً
( آل عمران 103 ) . وقد حثهم القرآن على الاحتفاظ بهذه الأخوة ، وأن يعتصموا بحبل اللّه جميعا ولا يتفرقوا .
ونزل القرآن وكان بعض العرب يئد البنت ، ويكره أن تولد له بنت ، وقد نعى القرآن على هذا البعض تلك النظرة الخاطئة ، منددا بها ، فقال :
وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ ( 58 ) يَتَوارى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ ما بُشِّرَ بِهِ أَ يُمْسِكُهُ عَلى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرابِ أَلا ساءَ ما يَحْكُمُونَ
( 59 ) ( النحل 58 ، 59 ) . كما عطف القلوب على هذه الموءودة تسأل يوم القيامة عما جنته من ذنوب أدت إلى وأدها ، وهو بذلك يثير تفكير الوائدين ليروا حقيقة الدافع إلى وأد بناتهم ، ويثير وجدانهم ، حين يتمثلون قسوتهم في وأد طفلة بريئة لم تجن ذنبا ، فقال وهو يصف اليوم الآخر :
وَإِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ ( 8 ) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ
( 9 ) ( التكوير 8 ، 9 ) .
كما كان بعض العرب يقتل أولاده خشية الإنفاق وخوف الفقر ، وهم الفقراء من بعض قبائل العرب ، وقد نزل في هؤلاء قوله تعالى :
وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كانَ خِطْأً كَبِيراً
( الإسراء 31 ) .
ولم يرض القرآن عن كثير من صلاتهم بالمرأة فمن ذلك أن الرجل من العرب كان إذا مات عن المرأة أو طلقها ، قام أكبر بنيه فإن كان له حاجة فيها طرح ثوبه عليها ، وإن لم يكن له حاجة فيها تزوجها بعض إخوته بمهر جديد ، وقد أبطل اللّه ذلك بقوله سبحانه :
وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَمَقْتاً وَساءَ سَبِيلًا
( النساء 22 ) .
ومن ذلك أنهم كانوا يطلقون النساء ، فإذا قرب انقضاء عدتهن راجعوهن ، لا عن رغبة في هذه المراجعة ولا عن محبة ، ولكن ضرارا ، لقصد تطويل العدة ، فنهى القرآن عن ذلك فقال :
وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِراراً لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ
( البقرة 231 ) .