تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من بلاغة القرآن — صفحة 283

مساهمون:

ص٢٨٣
يحكم الواقع بانتفائه ، كما في قوله تعالى :
مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَما كانَ مَعَهُ مِنْ إِلهٍ إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ بِما خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ
( المؤمنون 91 ) ، فالمعنى ليس مع اللّه من إله ، ولو سلم أن معه إلها لزم من ذلك ذهاب كل إله من الاثنين بما خلق ، وعلا بعضهم على بعض ، فلا يتم في العالم أمر ، ولا ينفذ حكم ، ولا تنتظم أحواله ، والواقع خلاف ذلك ، ففرض وجود إلهين محال ، لما يترتب عليه من المحال . وفي هذا اللون من الجدل تقليب للأمر على جميع وجوهه ، ليكون الحكم المراد سليما لا شك فيه . ومنها التقسيم « 1 » والسبر ، بأن يقسم ما هو محل الجدل إلى منتهى أقسامه ، ويسبر كل قسم بأن ينفى عنه ما يريد الخصم إثباته له ، كقوله سبحانه يرد على المشركين تحريمهم ذكور الأنعام تارة وإناثها أخرى :
كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ( 142 ) ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحامُ الْأُنْثَيَيْنِ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ( 143 ) وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحامُ الْأُنْثَيَيْنِ أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهذا فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ
( 144 ) ( الأنعام 142 - 144 ) . رد اللّه عليهم تحريمهم بطريق السبر والتقسيم ، فبين أنه قد خلق من كل زوج مما ذكر ، ذكرا وأنثى ، فما علة تحريم ما حرمتم ؟ لا يخلو أن يكون ذلك من جهة الذكورة أو الأنوثة أو إليهما معا ، أو لا يدرى له من علة بأن يكون تعبديا أخذ عن اللّه تعالى ، والأخذ عنه سبحانه إما بوحي وإرسال رسول ، أو سماع كلامه وتلقى ذلك عنه ، وهو معنى قوله تعالى :
أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهذا
، تلك هي وجوه التحريم لا تخرج عن واحد منها ، ويلزم على الأول أن يكون جميع الذكور حراما ، وعلى الثاني أن يكون جميع الإناث حراما ، وعلى الثالث تحريم الصنفين معا ، وهم يحرمون البعض في حالة ، والبعض في حالة أخرى ، ولم يأتهم رسول قبل محمد يحرم عليهم ما حرموه ، ولم يدعوا الأخذ عن اللّه بلا واسطة ، وإذا بطل جميع ذلك ثبت المدعى وهو أن ما قالوه ضلال وكذب على اللّه . ومثل هذا التقسيم والسبر لا يدع مجالا للشك ، وتستريح النفس إلى ما تصل إليه من نتائج عن طريقه . هذا ، ومن أكبر الموضوعات التي حدث فيها الجدل موضوع توحيد اللّه ، واليوم الآخر ، ورسالة محمد ، وقد بينا في إفاضة ألوان هذا النقاش ، وكيف كانت ردود القرآن باعثة على التفكير ، مثيرة للوجدان معا .
هامش
( 1 ) المرجع السابق ص 136 ج 2 .
من بلاغة القرآن — صفحة 283 | احمد احمد بدوي