تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من بلاغة القرآن — صفحة 282

مساهمون:

ص٢٨٢
إِبْراهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قالَ إِبْراهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ
( البقرة 258 ) ، فإن الملك الذي جادله إبراهيم فهم من الإحياء والإماتة قدرته على إبقاء من يستحق القتل ، وحكمه على الحىّ بالموت ، فلم يرد إبراهيم مناقشته ، لكي يبين له مراده من الإحياء والإماتة ، بل انتقل إلى استدلال لا يجد الملك له وجها يتخلص به منه ، فقال :
فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ الْمَغْرِبِ
وهنا بهت الملك ، ولم يمكنه أن يقول : أنا الآتي بها من المشرق ، لأن من هو أسن منه يكذبه . ومنها مجاراة الخصم « 1 » ، بتسليم بعض مقدماته ، للإشارة إلى أن هذه المقدمات لا تنتج ما يريد أن يستنتجه ، وذلك كقوله تعالى :
قالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونا عَمَّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا فَأْتُونا بِسُلْطانٍ مُبِينٍ ( 10 ) قالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ
( إبراهيم 10 ، 11 ) ؛ فليس المراد أنهم سلموا انتفاء الرسالة عنهم ، بل كأنهم قالوا : إن ما ادعيتم من كوننا بشرا حق لا سبيل إلى إنكاره ، ولكن هذا لا ينافي أن يمن اللّه علينا بالرسالة ، وقد أثبت القرآن في موضع آخر ، كما ذكرنا ، أن الرسول لا يكون إلا بشرا ،
وَلَوْ أَنْزَلْنا مَلَكاً لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ ( 8 ) وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً لَجَعَلْناهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ
( 9 ) ( الأنعام 8 ، 9 ) . وفي هذا النوع من الجدل استدراج للخصم ، واستجلاب لإصغائه ، وربما كان من الممكن بهذه الوسيلة ثنيه عن الإنكار . ومنها الإسجال « 2 » ، بأن يثبت على لسان الخصم حقيقة كان ينكرها كما في قوله تعالى :
وَنادى أَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنا ما وَعَدَنا رَبُّنا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ ما وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ
( الأعراف 44 ) . وفي مثل هذا اللون من التسجيل إثارة لوجدان المتشككين والمنكرين وإثارة الخوف في أنفسهم ، حين يسمعون اعتراف من على شاكلتهم ، ويدفعهم الخوف إلى التأمل ، عساهم يهتدون . ومنها التسليم « 3 » ، وهو أن يسلم بوقوع المحال تسليما جدليا ، لبيان ما يترتب على ذلك من أمور محالة ، وقد يبدأ الكلام حينئذ بحرف امتناع ، ليدل على أنه ممتنع الوقوع لامتناع وقوع شرطه ، كما في قوله سبحانه :
لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا
( الأنبياء 22 ) ، وحينا ينفى صراحة ، ثم يسلم وقوعه تسليما جدليا ، لا يلبث أن
هامش
( 1 ) المرجع السابق نفسه . ( 2 ) الإتقان ج 2 ص 137 . ( 3 ) الإتقان ج 2 ص 137 .
من بلاغة القرآن — صفحة 282 | احمد احمد بدوي