تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من بلاغة القرآن — صفحة 281

مساهمون:

ص٢٨١
وهكذا تبين ما ذكرناه من استشهاد القرآن بما يعنيه من أجزاء القصة ، وبلوغ القرآن أهدافه من ذكر هذه الأجزاء ، وفي الاستطاعة تتبع ذلك فيما جاء من قصص في القرآن .

الجدل

لا يجرى الجدل في القرآن على هذا النظام المنطقي الجاف ، تذكر فيه المقدمات على نظام خاص ، تتبعها النتائج ، فإن القرآن لم ينزل لهداية طائفة خاصة لها ثقافتها الخاصة ، بل نزل لهداية الناس جميعا ، وما به من أدلة يلقى في النفس الاقتناع ، ويملأ القلب باليقين ، سواء في ذلك العامة والخاصة . وقد ذكر العلماء من ألوان الجدل القرآني القول بالموجب « 1 » ، قال ابن أبي الأصبع : وحقيقته رد كلام الخصم من فحوى كلامه ، وقال غيره هو قسمان : أحدهما : أن تقع صفة في كلام الغير كناية عن شئ أثبت له حكم ، فتثبتها لغير ذلك الشيء ، كقوله تعالى :
يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ
( المنافقون 8 ) . فالأعز وقعت في كلام المنافقين كناية عن فريقهم ، والأذل عن فريق المؤمنين ، وأثبت المنافقون لفريقهم إخراج المؤمنين من المدينة ، فأثبت اللّه في الرد عليهم صفة العزة لغير فريقهم ، وهو اللّه ورسوله والمؤمنون ، فكأنه قيل : صحيح ذلك : ليخرجن الأعز منها الأذل ، لكن هم الأذل المخرج ، واللّه ورسوله الأعز المخرج . والثاني حمل لفظ وقع من كلام الغير على خلاف مراده مما يحتمله بذكر متعلقه كقوله تعالى :
وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ
( التوبة 61 ) . يريدون « 2 » أنه صلّى اللّه عليه وسلم سمّاع لكل شئ ، مصدق لكل قول ، ولكن الآية لم تترك الأذن مطلقة ، بل نسبتها إلى الخير ، ولهذا كان تمام الآية
يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ
( التوبة 61 ) . أي أنه يصدق باللّه ، ويسلم للمؤمنين ، لا لكم ، لعدم تصديقه إياكم ، ثم هو مع ذلك رحمة للذين أظهروا الإيمان منكم ، حيث قبلهم ، ولم يكشف حقيقتهم . وعدوا من أنواع الجدل القرآني الانتقال « 3 » ، وذلك أن ينتقل المستدل إلى استدلال غير الذي كان آخذا فيه ، لعدم فهم الخصم وجه الدلالة من الاستدلال الأول ، كما في قوله تعالى :
أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْراهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قالَ
هامش
( 1 ) الإتقان ج 2 ص 137 . ( 2 ) تاريخ الأدب العربي للأستاذ السباعى بيومى بك ص 139 . ( 3 ) الإتقان ج 2 ص 137 .
من بلاغة القرآن — صفحة 281 | احمد احمد بدوي