تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من بلاغة القرآن — صفحة 273

مساهمون:

ص٢٧٣
الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ ( 205 ) وَإِذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهادُ
( 206 ) ( البقرة 204 - 206 ) . والقرآن هنا مصور كذلك ، يرسم العمل ، ويحكى القول ، ويسجل الجواب ، كما تراه يصور المهجوين في قوله سبحانه :
وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتابِ وَما هُوَ مِنَ الْكِتابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَما هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ
( آل عمران 78 ) ، ألا ترى أن لىّ لسان هذا الفريق بالكتاب ، يصور ما يريد أن يقوم به هذا الفريق من إيهام الناس كذبا أن ما يقولونه من عند اللّه ، وما هو من عند اللّه . ومن أوجع الهجاء في القرآن قوله تعالى :
إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ( 55 ) الَّذِينَ عاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لا يَتَّقُونَ
( 56 ) ( الأنفال 55 - 56 ) ، ففي إطلاق اسم الدواب ما يؤذن بخروجهم عن دائرة العقلاء ، كما قال في موضع آخر :
وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَما تَأْكُلُ الْأَنْعامُ وَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ
( محمد 12 ) ، وفي موضع ثان
وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ إِلَّا دُعاءً وَنِداءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ
( البقرة 171 ) . وتأمل الاستفهام التهكمى في قوله سبحانه :
وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا أَ وَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ
( البقرة 170 ) . والتشبيه الموجع في قوله :
مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ
( الجمعة 5 ) . وإذا كان القرآن الكريم يقصد من الهجاء ذم الفعل للتنفير منه ، فإنا نراه يتبع الهجاء بما يستخلص منه من عظة حينا ، ومن أمر يجب اتباعه حينا آخر ، ومن موازنة بين هذا الذي استحق الهجاء بسوء ما فعل ، وذاك الذي انتهج النهج السليم ففاز وظفر ، وفي ذلك تحقيق لهدف القرآن الذي يهدى بالتي هي أحسن .

العتاب

من أوضح ما جاء من العتاب في القرآن قوله تعالى يعاتب رسوله ، وقد جاءه أحد المسلمين يسأله في أمور الدين ، وكان الرسول ساعتئذ في حديث مع طائفة من المشركين ، مؤملا أن يفضى به الحديث إلى إيمانهم ، فلم يعن بأمر هذا المسلم السائل ، بل أعرض عنه عابسا ، فنزل قوله سبحانه :
عَبَسَ وَتَوَلَّى ( 1 ) أَنْ جاءَهُ الْأَعْمى ( 2 ) وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى ( 3 ) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرى ( 4 ) أَمَّا مَنِ اسْتَغْنى ( 5 ) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى ( 6 ) وَما عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى ( 7 ) وَأَمَّا مَنْ جاءَكَ يَسْعى ( 8 ) وَهُوَ يَخْشى ( 9 ) فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى
( 10 ) ( عبس 1 - 10 ) .