تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من بلاغة القرآن — صفحة 275

مساهمون:

ص٢٧٥
وقد أثبت القرآن ما كان لمصر من عظمة ومجد وغنى ، فقد قال على لسان موسى :
وَقالَ مُوسى رَبَّنا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوالًا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا
( يونس 88 ) . كما أشار إلى عظمة ما كان لها من ملك ضخم فوق سطح الأرض ، ترمقه الأمم بعين الإكبار والإجلال ، حين قال على لسان هذا المصري الذي آمن بموسى :
يا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ
( غافر 29 ) . أما فرعون فإنه معتز بملك مصر ، وبأنهارها التي تجرى تحت قصوره ،
وَنادى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قالَ يا قَوْمِ أَ لَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهذِهِ الْأَنْهارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَ فَلا تُبْصِرُونَ
( الزخرف 51 ) ، وإذا كانت مصر بهذه العظمة والجلال فلا جرم كان فرعون يشعر في نفسه بعلو لا يسامى ، وجلال لا يقارب ، ولذا أكثر القرآن من وصفه بالعلو في الأرض ، وانتهى الأمر بالفراعنة في مصر إلى أن ادعوا الألوهية ، ولهذا قال فرعون عندما دعاه موسى إلى عبادة اللّه :
لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلهَاً غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ
( الشعراء 29 ) .
وَقالَ فِرْعَوْنُ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يا هامانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلى إِلهِ مُوسى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكاذِبِينَ
( القصص 38 ) . وبهذا بلغ فرعون مدى الطغيان الذي لا طغيان بعده ، ولما أرسل إليه موسى
وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنا لا يُرْجَعُونَ
( القصص 39 ) . وأثبت القرآن على فرعون وملئه أنهم قوم عالون فاسقون ظالمون ، ولعل سبب وصفهم بذلك أنهم لم يؤمنوا باللّه ، ولم يتركوا اتخاذ فرعون إلها ،
فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَما أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ
( هود 97 ) . ورفض فرعون وملؤه اتباع موسى لأمور : أولها : أن موسى وهارون بشران ، لا يمتازان عنهم بشيء ما ، فضلا عن أقومهما يعبدون فرعون ، ويتخذونه إلها ،
فَقالُوا أَ نُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا وَقَوْمُهُما لَنا عابِدُونَ
( المؤمنون 47 ) . بل رأى فرعون أنه
خَيْرٌ مِنْ هذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكادُ يُبِينُ
( الزخرف 52 ) . فقد كان بلسان موسى عقدة تحول بينه وبين الإفصاح في يسر ، ورأى فرعون أنه مما كان يعزز دعوى موسى في الرسالة أن لو كان ملكا متوجا ، أو عزّز بملائكة تؤيده ،
فَلَوْ لا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جاءَ مَعَهُ الْمَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ
( الزخرف 53 ) . ثانيها : أنهم رأوا في اتباع موسى وهارون نزولا من مكانة الرئاسة التي كانوا يستمتعون فيها بحقوق ومزايا سوف يفقدونها إذا اتبعوهم ، إذ يصبحون من السوقة والأتباع ،
قالُوا أَ جِئْتَنا لِتَلْفِتَنا عَمَّا وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِياءُ فِي الْأَرْضِ وَما نَحْنُ لَكُما بِمُؤْمِنِينَ
( يونس 78 ) . ثالثها : أنهم رأوا صلة وثقى بين الأرض التي نبتوا فيها وترعرعوا عليها ، وبين