تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من بلاغة القرآن — صفحة 276

مساهمون:

ص٢٧٦
التقاليد والعقائد التي ورثوها عن آبائهم وأجدادهم ، ورأوا في الخروج على تلك التقاليد والعقائد اغترابا عن وطن توارثوه ، ووجدوا أنهم إذا آمنوا بموسى فكأنهم أخرجوا من أوطانهم ، وقد كرّر القرآن فكرتهم هذه في مواضع عدّة منه ، فقال على لسان فرعون يخاطب موسى :
قالَ أَ جِئْتَنا لِتُخْرِجَنا مِنْ أَرْضِنا بِسِحْرِكَ يا مُوسى
( طه 57 ) . وقال على لسانه ، يخاطب الملأ حوله يريد أن يثيرهم ضد موسى :
قالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ ( 34 ) يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَما ذا تَأْمُرُونَ
( 35 ) ( الشعراء 34 ، 35 ) . وأصر المصريون تعنتا على ألا يؤمنوا بموسى وإلهه ، برغم ما نزل بمصر من محن أنذرهم بها موسى ، وكانوا يتطيرون به وبقومه ، ويحدثنا القرآن عما نزل بمصر يومئذ من البلاء في قوله :
وَلَقَدْ أَخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ ( 130 ) فَإِذا جاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قالُوا لَنا هذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى وَمَنْ مَعَهُ أَلا إِنَّما طائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ ( 131 ) وَقالُوا مَهْما تَأْتِنا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنا بِها فَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ ( 132 ) فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ وَالْجَرادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفادِعَ وَالدَّمَ آياتٍ مُفَصَّلاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكانُوا قَوْماً مُجْرِمِينَ ( 133 ) وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قالُوا يا مُوسَى ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرائِيلَ ( 134 ) فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلى أَجَلٍ هُمْ بالِغُوهُ إِذا هُمْ يَنْكُثُونَ ( 135 )
( الأعراف 130 - 135 ) . والظاهر أن موسى لم يدع الشعب المصري إلى اتباعه ، ولكنه مضى رأسا إلى فرعون يدعوه إلى دينه ، مؤملا بعد هدايته أن يقتدى به قومه فيؤمنوا ، ولم يوجه موسى دعوته إلى غير فرعون ، وإن كان السحرة قد آمنوا به بعد أن اعتقدوا أن قوة خارقة هي التي أمدّته .

القصة في القرآن

من الفنون الأدبية الرفيعة التي وردت في القرآن القصة ، جاءت فيه لتساهم فيما يرمى إليه القرآن بعامة من الوعظ والنصح والإرشاد ، وليكون فيها معين لا ينضب من الأسى للرسول الكريم ، فيصبر كما صبر أولو العزم من الرسل ، وقد أوضح القرآن هذين الهدفين من إيراد القصة فيه حين قال :
ذلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ
( الأعراف 176 ) .
لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ
( يوسف 111 ) . وقال :
وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ
( هود 120 ) . وعلى ضوء هذين الهدفين نزن ما ورد في القرآن من القصص فليس هو بكتاب أنشئ للقصة قصدا ، ولكنه ينظر إلى القصة من هذه الزاوية التي تحقق
من بلاغة القرآن — صفحة 276 | احمد احمد بدوي