تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من بلاغة القرآن — صفحة 272

مساهمون:

ص٢٧٢
تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ ( 6 ) هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا وَلِلَّهِ خَزائِنُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ ( 7 ) يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ
( 8 ) ( المنافقون 1 - 8 ) ، فأنت تراه يهاجم عقيدة المنافقين وأعمالهم وأقوالهم ويفندها ، ويصورهم ويصور عقليتهم ، ويرد على مزاعمهم في قوة تحطم نفسيتهم ، وتبعث في قلوبهم الوهن . وللمنافقين من الأثر السيئ في صفوف المؤمنين ما ليس لخلص الكافرين ، فلا عجب إذا نالوا هذا الهجاء العنيف . صورت الآيات المنافقين جبناء ، يتخذون نفاقهم وسيلة لسلامتهم ، وسببا يصلون به إلى هدفهم من الصد عن سبيل اللّه ، فهم يجيئون إلى الرسول ويقسمون له إنهم يشهدون برسالته ، ويؤمنون بها ، ولكن اللّه يفضح نيتهم ، ويعلن أمرهم ويؤكد كذبهم ، ويذم هذه الخطة النكراء ، التي نتجت من أنهم أغلقوا قلوبهم ، وأهملوا عقولهم ، فلم يدعو لأنفسهم مجالا للتفكير السليم ، ويمضى القرآن في تحقيرهم ، فيسخر من هذه الأجسام التي تغر بمرآها ، ولكنها تحمل قلوبا خاوية ضعيفة ، ملأها الجبن ، واستولى عليها الخوف ، فهي تهلع لكل صيحة ، تظنّ العدو قادما يغير عليهم ، ويصور حركة استهزائهم إذا دعوا إلى التوبة ، واستكبارهم عن الخضوع والطاعة ، فهم يلوون رؤوسهم إعراضا وكبرا ، وهنا يهددهم القرآن بأن اللّه لن يغفر لهم لأنهم قوم فاسقون ، يعملون على هدم الدعوة ، والتضييق عليها من الناحية المالية ، فيدعون الناس إلى قبض أيديهم عن معاونتها بمالهم ، وهنا يسخر القرآن من أوهامهم ، فيذكرهم بأن للّه خزائن السماوات والأرض ، وينسبون لأنفسهم العزة ، وأنهم قادرون على إخراج المؤمنين من المدينة ، وهنا يؤكد القرآن أن العزة للّه ولرسوله وللمؤمنين . تصوير القرآن للمنافقين فيه حركة وحياة ، ينقل أعمالهم ، ويسجل كلامهم ، ويصف ما يختلج في أعماق نفوسهم ، فكأنك تراهم قادمين إلى الرسول يقسمون له أغلظ الأيمان ، فإذا مضوا أخذوا يصدون عن سبيل اللّه ، وتلمح لىّ رؤوسهم عندما يدعون إلى التوبة والإنابة ، وتسمعهم يدعون الناس إلى قبض أيديهم عن معونة المؤمنين ، ويقولون والغيظ يملأ أفئدتهم :
لَئِنْ رَجَعْنا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ
. وتأمل القرآن يندد بالفعل ويعيبه قائلا :
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلى ما فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصامِ ( 204 ) وَإِذا تَوَلَّى سَعى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها وَيُهْلِكَ
من بلاغة القرآن — صفحة 272 | احمد احمد بدوي