ومدح من آمن واتبع الرسول ، فوصفهم حينا بأنهم على الهدى ، فقال :
ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ ( 2 ) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ ( 3 ) وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ ( 4 ) أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ
( 5 ) ( البقرة 2 - 5 ) ، وبأنهم أولو الألباب إذ قال :
فَبَشِّرْ عِبادِ ( 17 ) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ وَأُولئِكَ هُمْ أُولُوا الْأَلْبابِ
( 18 ) ( الزمر 17 ، 18 ) ، وبأنهم كالسميع البصير الذي يهديه سمعه وبصره ، على عكس أولئك الذين لا يتبعون أحسن القول :
مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلًا أَ فَلا تَذَكَّرُونَ
( هود 24 ) . وجعل القرآن للمؤمن نورا يمشى به في الناس ، فإنه يهتدى بهذا النور إلى طريق الخير وإلى صراط مستقيم ،
أَ وَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها كَذلِكَ زُيِّنَ لِلْكافِرِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ
( الأنعام 122 ) . وفي عقد هذه الموازنات تمجيد للإيمان وتعظيم من شأن المؤمنين .
الهجاء
في القرآن هجاء لمن تعرض للدعوة ، ووقف في سبيل نجاحها ، ولمن أنكرها من غير حجة ولا برهان ، ولمن نافق فأظهر بلسانه الإيمان ، ولم يؤمن قلبه ولا ضميره ، وجدير بهؤلاء أن ينالهم الذم والتقريع . والهجاء في القرآن يمتاز بهذه النزاهة التي ينأى بها عن الفحش ويبعد عن الدنس ، كما يمتاز بأنه يتجه إلى الفعل يندد به ، ويعيبه ، ولا يعنيه الأشخاص ولا يذكرها ، لأنه يرمى إلى ترك الفعل والابتعاد عنه ، ومن الحكمة ألا يذكر فاعله ، لأن ذلك أدعى إلى أن يجد الباب مفتوحا أمامه ، يدخله من غير أن يكون لماضيه ما يحول بينه وبين قبول الدين الجديد ، أو يكون سمة خالدة تؤذيه دائما ، إذا هو قبل هذا الدين الجديد ، فالقرآن يهجو الفعل ، ويترك لفاعله فرصة اجتنابه ، وهذه بعض نماذج تبين النهج القرآني في الهجاء ، قال سبحانه في المنافقين :
إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ قالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ ( 1 ) اتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ( 2 ) ذلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ ( 3 ) وَإِذا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ ( 4 ) وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُؤُسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ ( 5 ) سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ