تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من بلاغة القرآن — صفحة 274

مساهمون:

ص٢٧٤
بدأ هذا العتاب متحدثا عن الغائب ، وكأنه بذلك يريد أن يرسم الصورة لرسوله على لوحة يراها أمام عينيه على وجه غير وجهه ، لتكون الصورة واضحة القسمات بيّنة المعالم ، فالمرء لا يرى وجه نفسه ، ثم اتجه العتاب إلى الخطاب في رفق قريب من العنف ، مبينا ما لعله يرجى من الخير من هذا الأعمى السائل ، ثم عقد موازنة بين من عنى به النبي ومن أعرض عنه ، فهذا مستغن لا يعنيه أن يصغى إلى الدعوة ، أو يطيعها ، والآخر مقبل ، تملأ قلبه الخشية ، ويدفعه الإيمان ، وقد سجل القرآن معاملة الرسول لهما ، ولكن هذا العتاب يحمل في ثناياه عذر الرسول ، فهو ما تصدى لمن استغنى إلا أملا في هدايته وإرشاده . وقد يقسو القرآن في العتاب ، بعد أن يكون قد استخدم الرفق واللين ، وذلك في الأمور التي يترتب على التهاون فيها ما يؤدي بالدعوة ، كما ترى ذلك في قوله سبحانه :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكُمْ إِذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَ رَضِيتُمْ بِالْحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الْآخِرَةِ فَما مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ ( 38 ) إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذاباً أَلِيماً وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئاً وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
( 39 ) ( التوبة 38 ، 39 ) . ولعله بعد رفقه بهم ، وبيانه لهم أن متاع الحياة الدنيا قليل ، إذا قيس بمتاع الآخرة - رأى ألا يقف عند هذا الحد من الموازنة ، بل مضى محذرا منذرا . ومن العتاب القاسى - لأنه يمس أساسا من أسس نشر الدعوة لتأخذ طريقها إلى النصر والنجاح - قوله تعالى :
ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ( 67 ) لَوْ لا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيما أَخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ
( 68 ) ( الأنفال 67 - 68 ) . أما إذا لم يتصل العتاب بمثل ذلك من مهمات الأمور فإن العتاب يرق ويلين كما ترى ذلك في قوله تعالى :
عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكاذِبِينَ
( التوبة 43 ) . وقوله سبحانه :
يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضاتَ أَزْواجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ
( التحريم 1 ) . فمعرفة الصادق والكاذب إذا كانت قد ضاعت في فرصة ، فمن الممكن أن يتوصل إليها في فرصة أخرى ، وتحريم النبي لما أحل اللّه له مسألة شخصية ليس لها من الأثر ما للجهاد من آثار .

مصرفى القرآن

أشار القرآن إلى مصر مرات عدّة ، ففيها جرى معظم حوادث قصة يوسف ، وإلى فرعونها أرسل موسى ، وقد كررت قصته كثيرا ، ولم يؤرخ القرآن لمصر ، ولكنه أشار إلى النواحي التي ترتبط بهدفه من الهداية والإرشاد .