تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من بلاغة القرآن — صفحة 258

مساهمون:

ص٢٥٨
هؤلاء الذين لا يصرفهم شاغل من الحياة عن أدائها ، إذ قال :
رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقامِ الصَّلاةِ
( النور 37 ) . وجعل الكسل في أدائها والنهوض إليها مظهرا من مظاهر النفاق ،
إِنَّ الْمُنافِقِينَ يُخادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خادِعُهُمْ وَإِذا قامُوا إِلَى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى يُراؤُنَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا
( النساء 142 ) . وجعل الهزء بها كفرا ، كالهزء بالدين نفسه ،
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِياءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ( 57 ) وَإِذا نادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ اتَّخَذُوها هُزُواً وَلَعِباً ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ
( 58 ) ( المائدة 57 ، 58 ) . ويقرر القرآن أن الصلاة عبادة شاقة على النفس ، وهو من أجل ذلك يضع الخاشعين مثالا يقتدى به ، فهؤلاء لا يجدونها ثقيلة ولا شاقة ، كما وضع إلى جانب ذلك اليوم الآخر وما فيه من نعيم أو عذاب ، يدفع المرء إلى الصلاة رغبة أو رهبة فقال :
وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخاشِعِينَ ( 45 ) الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ راجِعُونَ
( البقرة 45 - 46 ) . وأمر رسوله بالصبر على الصلاة إذ قال :
وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْها
( طه 132 ) . ووعد القرآن وعدا كريما من يؤديها على وجهها بأن أجره عنده ، ويعيش يوم القيامة في سلامة وأمن ،
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ
( البقرة 277 ) . وقد فرضت الصلاة ليتذكر الإنسان في الحين بعد الحين خالقه ورب نعمته ، أوليس الخالق المنعم جديرا بأن يذكر ويشكر ، فهذه الصلاة وسيلة الذكر والشكران ،
إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي
( طه 14 ) . ولذا كان من أكبر أماني الشيطان أن يصد عن إقامة الصلاة لذلك المعنى الذي أشرت إليه ، ويتخذ الشيطان الخمر والميسر وسيلة إلى نسيان الصلاة وذكر اللّه ،
إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ
( المائدة 91 ) . وكانت الصلاة بأشكالها المختلفة مظهر ذلك في الأديان التي سبقت الإسلام ،
وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّءا لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بُيُوتاً وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ
( يونس 87 ) . وإبراهيم يدعو ربه قائلا :
رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي
( إبراهيم 40 ) . وعيسى يقول :
إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الْكِتابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا ( 30 ) وَجَعَلَنِي مُبارَكاً أَيْنَ ما كُنْتُ وَأَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا
( 31 ) ( مريم 30 ، 31 ) .
وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِسْماعِيلَ إِنَّهُ كانَ صادِقَ الْوَعْدِ وَكانَ رَسُولًا نَبِيًّا ( 54 ) وَكانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ وَكانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا
( 55 ) ( مريم 54 ، 55 ) .