وذكر اللّه في الصلاة عدة مرات في الليل والنهار تدفع إلى تقواه ، والوقوف عند حدود ما أمر به ونهى عنه ، ولذلك قال سبحانه :
وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ
( العنكبوت 45 ) . وفي ذكر اللّه في الصلاة تذكر لقدرته الباهرة ، فيلجأ إليه المرء مستعينا بهذه القدرة على تحقيق ما يصبو إليه من أمان وآمال ، ولذلك قرنها بالصبر ، فقال :
وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ
. والاستعانة بقدرة اللّه توحى إلى النفس بأن المرء ليس وحيدا في جهاده في تلك الحياة ، فيقوى ذلك من روحه المعنوية ، وتقوية هذه الروح أساس النجاح والظفر ، فإذا انضم إليها الصبر ، زال اليأس ، وامتلأ القلب بالأمل .
تلك هي الدوافع التي وضعها القرآن إلى جانب الصلاة ، لتحث عليها ، وتدفع إلى إقامتها . وعد كريم من اللّه بالثواب على أدائها ، وهي مظهر لشكر اللّه على نعمه وأفضاله ، والشكر على النعمة تدفع إليه الإنسانية المهذبة ويدفع إليه العقل السليم ، ثم إنها بصورها المتعددة مظهر هذا الشكر عند الأمم السابقة ، ولا يقف فضل الصلاة عند هذا الحد ، بل هي ينبوع لطهارة النفس ، وبعدها عن الشرور والمآثم ، وفيها تقوية للمرء على مجابهة الحياة مزودا بقوة معنوية ، ينجح بها في الحياة ، أولا يستحق هذا الينبوع العذب لتهذيب النفس ونجاحها أن يحافظ المرء عليها ، وأن يؤديها موفيا أركانها في تؤدة واطمئنان ، ولعل هذا هو السر في أن القرآن يستخدم كلمة « يقيم » فالمادة تدل على الدوام والاستمرار ، كما تدلّ على معنى التقويم والتهذيب .
ولم يتعرض القرآن لتفصيل هيئة الصلاة ، تاركا ذلك لفعل رسول اللّه ، ولكنه عرض بعض أحكامها في إجمال ، كقصر الصلاة ، وصلاة الخوف ، والوضوء .
وتقترن إقامة الصلاة في القرآن غالبا بإيتاء الزكاة ، وقد جعلهما القرآن معا مظهرين من مظاهر الإسلام ،
فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ
( التوبة 5 ) . ولا سبيل لكم عليهم ، لأنهم « إخوانكم في الدين » .
ويقرر القرآن غريزة الملكية ، ويعرف ما لها من آثار في تصرفات الإنسان وهو من أجل ذلك دعا هذه الأموال التي يبذلها المرء على سبيل الصدقة ، دعاها قرضا يقرضه المتصدق للّه ،
إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضاعِفْهُ لَكُمْ
( التغابن 17 ) ، كما أضاف الأموال إلى أصحابها في قوله :
وَاعْلَمُوا أَنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ
( التغابن 15 ) .
وقرر كسبنا لها في قوله :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ
( البقرة 267 ) .