والانصراف بالكلية عنها ، إلى حيث العكوف في المساجد لعبادة اللّه والصدوف عن الدنيا وزينتها ، لا نفهم أن القرآن يدعو إلى ذلك ، ولا أن ذلك من أهدافه ، كيف ، وهو - كما قلنا - إنما جاء كثير منه لتنظيم شؤون هذه الحياة . والمثل الكامل لصلة المرء بالحياة الدنيا والآخرة هو قوله سبحانه :
فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ ( 200 ) وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنا عَذابَ النَّارِ ( 201 ) أُولئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسابِ
( 202 ) ( البقرة 200 - 202 ) .
فالمثل الأعلى القرآني هو أن يظفر المرء بدنيا حسنة فيها متعة وفيها سعادة ، وأن يظفر بآخرة سعيدة ، فيها متعة كذلك ، وفيها سعادة ، وقد عجب القرآن - كما رأينا - من هذا الذي يحرم طيبات اللّه والاستمتاع بها ، ودعا إلى الأخذ بنصيب من الحياة الدنيا في قوله :
وَابْتَغِ فِيما آتاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا وَأَحْسِنْ كَما أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ
( القصص 77 ) . وترك الفساد في الأرض ، وكبح جماح النفس الطاغية التي يزدهيها الغنى ، ينبع من الإيمان باليوم الآخر ، الذي فيه يحاسب الإنسان مالك يوم الدين .
عبادة الأوثان
جاء الدين الجديد يدعو إلى إفراد اللّه بالعبادة ، وترك عبادة الأصنام التي أشركوها له ، وزعموا حينا أنهم إنما يعبدونها ، لتقربهم إلى اللّه زلفى ، وقد فند القرآن هذه العقيدة تفنيدا قويا ، وبرهن على ضلالهم في عبادتها برهنة لا تدع مجالا للشك في تفاهة هذه الأوثان ، وأنها لا تصلح أن تكون إلها يعبد .
لقد وجه القرآن نظرهم إلى أن هذه الأصنام أقل منهم ، فإن لعابديها أرجلا يمشون بها ، وأعينا يبصرون بها ، وآذانا يسمعون بها ، أما هذه الأوثان فجاثمة لا تستطيع الحركة والانتقال ، ولا تستطيع البطش والدفاع ، ولا تبصر ، ولا تسمع ،
أَ لَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِها أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِها أَمْ لَهُمْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها
( الأعراف 195 ) .
إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجابُوا لَكُمْ
( فاطر 14 ) .
أو يليق بالعاقل أن يعبد من دونه ، ومن يراه عاجزا لا يستطيع شيئا ؟ ! ولم يعبد المرء إلها لا يسمع دعاءه ، ولا يستطيع أن يجيبه إلى مبتغاه ، ولا يقدر على أن يرد عن عابده أذى نزل به ،
قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلًا
( الإسراء 56 ) . وإذا استنصره لم يجد عنده ما يؤمل من النصر ، والمرء عند الشدائد يلجأ إلى اللّه ، ويطلب منه المعونة والمساعدة ، فما ذا يصنع بعبادة إله لا يمده