الكناية والتعريض
تقوم الكناية القرآنية بنصيبها كاملا في أداء المعاني وتصويرها خير أداء وتصوير ، وهي حينا راسمة مصوّرة موحية ، وحينا مؤدبة مهذبة ، تتجنب ما ينبو على الأذن سماعه ، وحينا موجزة تنقل المعنى وافيا في لفظ قليل . ولا تستطيع الحقيقة أن تؤدى المعنى كما أدّته الكناية في المواضع التي وردت فيها الكناية القرآنية .
فمن الكناية المصوّرة الموحية قوله تعالى :
وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً
( الإسراء 29 ) . ألا ترى أن التعبير عن البخل باليد المغلولة إلى العنق ، فيه تصوير محسوس لهذه الخلة المذمومة في صورة قوّية بغيضة منفرة ، فهذه اليد التي غلّت إلى العنق لا تستطيع أن تمتد ، وهو بذلك يرسم صورة البخيل الذي لا تستطيع يده أن تمتد بإنفاق ولا عطية ، والتعبير ببسطها كل البسط يصوّر لك صورة هذا المبذر الذي لا يبقى من ماله على شئ ، كهذا الذي يبسط يده ، فلا يبقى بها شئ ، وهكذا استطاعت الكناية أن تنقل المعنى قويّا مؤثرا .
ومنها قوله تعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَ يُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ
( الحجرات 12 ) . وتأمل كيف : « مثّل الاغتياب بأكل الإنسان لحم إنسان آخر مثله ، ثم لم يقتصر على ذلك ، حتى جعله لحم الأخ ، ولم يقتصر على لحم الأخ . . . فأما تمثيل الاغتياب بأكل لحم إنسان آخر مثله ، فشديد المناسبة جدّا ، وذلك لأنّ الاغتياب إنما هو ذكر مثالب الناس ، وتمزيق أعراضهم ، وتمزيق العرض مماثل لأكل الإنسان لحم من يغتابه ؛ لأن أكل اللحم فيه تمزيق لا محالة ، ومن المعلوم أن لحم الإنسان مستكره عند إنسان آخر مثله ، إلا أنه لا يكون مثل كراهة لحم أخيه ، وهذا القول مبالغة في الاستكراه ، لا أمد فوقها ، وأما قوله
مَيْتاً
فلأجل أن المغتاب لا يشعر بغيبته ، ولا يحس بها » « 1 » .
ومنها قوله تعالى :
فِيهِنَّ قاصِراتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ
( الرحمن 56 ) .
فأنت ترى في قصر الطرف تصويرا للمظهر المحسوس لخلة العفة ، ولو أنه
هامش
( 1 ) كتاب الفوائد ص 127 .