استخدم عفيفات ما كان في الآية هذا التصوير المؤثر ، ولا رسم أولئك السيدات في تلك الهيئة الراضية القانعة ، التي لا يطمحن فيها إلى غير أزواجهن ، ولا يفكرن في غيرهم .
ومن الكناية المهذبة قوله سبحانه :
مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ
( المائدة 75 ) . ألا ترى في التعبير بأكل الطعام أدبا ورقّة تغنيك عن أن تسمع أذنك : كانا يتبرّزان ويتبوّلان .
ومنها قوله تعالى :
نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ
( البقرة 223 ) . وقوله :
وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً
( النساء 43 ) . وهكذا كنّى اللّه بالملامسة ، والمباشرة ، والإفضاء ، والرفث ، والدخول ، والسرّ ، كما في قوله سبحانه :
وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّساءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلكِنْ لا تُواعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفاً
( البقرة 235 ) .
ومما يصح أن يوجه النظر إليه هنا ، أن القرآن كان يلجأ إلى الصراحة ، عندما يتطلبها المقام ، فلا يحاور ، ولا يداور ، بل يعمد إلى الفكرة فيلقى بها في وضوح ، ويقول :
قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ
( النور 30 ) . ولا عجب في صراحة كتاب ديني يجد في التصريح ، ما لا تستطيع الكناية الوفاء به في موضعه .
ومن الكناية الموجزة قوله تعالى :
فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا
( البقرة 24 ) . أي فإن لم تأتوا بسورة من مثله ، ولن تأتوا بسورة من مثله ، ومثل هذا التعبير كثير في القرآن .
أما التعريض فهو أن يذكر شئ يدل به على شئ لم يذكر ، وأهم أغراضه الذّمّ ، كما في قوله تعالى :
قالُوا أَ أَنْتَ فَعَلْتَ هذا بِآلِهَتِنا يا إِبْراهِيمُ ( 62 ) قالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ
( 63 ) ( الأنبياء 62 ، 63 ) . ففي نسبة الفعل إلى كبير الأصنام ، تعريض بأن الصغار لا تصلح أن تكون آلهة ؛ لأنها لم تستطع أن تدفع عن نفسها ، وبأن الكبير لا يصلح أن يكون إلها ؛ لعجزه أن ينهض بمثل هذا العمل .
ومن باب التعريض أيضا تلك الآيات التي على مثال قوله تعالى :
إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ
( الرعد 4 ) . وتلك طريقة مؤثرة تدفع السامعين إلى التفكير العميق ، حتى لا يكونوا ممن لا يعقلون .
هذا ، وقد سبق أن تحدثنا عن جمال استخدام ( إنما ) عندما يراد بها التّعريض .