مجازات القرآن
- 1 - قسم البلاغيون المجاز قسمين ، مجازا عقليّا ومجازا لغويّا ، وجعلوا الأول في إسناد الفعل أو ما يشبهه إلى غير فاعله الأصيل لملابسته له ، وحكمة هذا الإسناد حينا قيام ما أسند إليه الفعل بدور رئيسى في الجملة ، وقد يكون هو الركن الذي لا يتم العمل بدونه ، كما ترى ذلك في قوله سبحانه :
إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَها شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْناءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ إِنَّهُ كانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ
( القصص 4 ) . فإسناد الذبح إلى فرعون ؛ لأنه هو الآمر به ، ولولاه ما حدث ، وما الجند المنفذون سوى آلات مسخرة تفعل ما تؤمر به ، وعلى هذا المنوال قوله تعالى :
وَقالَ فِرْعَوْنُ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يا هامانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحاً
( القصص 38 ) . فمن هامان الوزير يصدر الأمر لأتباعه بإعداد مواد البناء ، ورفع الصرح ، وقوله :
أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دارَ الْبَوارِ
( إبراهيم 28 ) . أو لا تجد أن هؤلاء الذين بدّلوا نعمة اللّه كفرا ، هم العنصر الفعال فيما آل إليه حال قومهم من عقبى السوء ؛ لأنهم هم الذين كانوا سبب إضلالهم وكفرهم .
ولما كان يوم القيامة تملؤه أحداث مرعبة ، تملأ النفوس هولا يتسبب عنها لشدتها الشيب ، وكان هذا اليوم ظرفا لتلك الأحداث ، صح أن يسند الشيب إليه في قوله سبحانه :
فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْماً يَجْعَلُ الْوِلْدانَ شِيباً
( المزمل 37 ) . وقد أجاز ذلك شدة الارتباط بين الأحداث وظرفها . كما أن شدة الارتباط بين العيشة وصاحبها جعلت من الجميل نسبة الرّضا إليها في قوله
فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ ( 6 ) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ
( 7 ) ( القارعة 6 ، 7 ) .
- 2 - أما المجاز اللغوي وهو استعمال اللفظ في غير ما وضع له أولا ، لصلة بين المعنيين غير صلة التشابه ، فقد وجدت كثيرا ممن تعرضوا لدراسته في القرآن الكريم قد مضوا يلتمسون أمثلته ، ويبوبونه ، ويذكرون أقساما كثيرة له ، حتى بلغوا من ذلك حد التفاهة ، ومخالفة الذوق اللغوي ، فوجدوا مثلا في قوله تعالى :
إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ
( الحجر 52 ) .