وضعفه يؤثر الراحة لطول ما مر به من زمن . وقوله تعالى :
وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ( 6 ) إِذا أُلْقُوا فِيها سَمِعُوا لَها شَهِيقاً وَهِيَ تَفُورُ ( 7 ) تَكادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُها أَ لَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ
( 8 ) ( الملك 6 - 8 ) . فهذا التميز من الغيظ يشعر بشدة ما جناه أولئك الكفرة ، حتى لقد شعر به واغتاظ منه هذا الذي لا يحس .
وعلى هذا النسق قوله سبحانه :
كَلَّا إِنَّها لَظى ( 15 ) نَزَّاعَةً لِلشَّوى ( 16 ) تَدْعُوا مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى
( 17 ) ( المعارج 15 - 17 ) . ألا تحس في هذا التعبير كأن النار تعرف أصحابها بسيماهم ، فتدعوهم إلى دخولها ومنه قوله تعالى :
حَتَّى إِذا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَها وَازَّيَّنَتْ
( يونس 24 ) . وفي ذلك ما يشعرك بالحياة التي تدب في الأرض ، حين تأخذ زخرفها وتتزين .
هذا وقد كثر الحديث عن قوله سبحانه :
وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ
( الإسراء 24 ) . ورووا ما يفهم منه أن أبا تمام قلد هذا التعبير فقال :
لا تسقني ماء الملام ، فإنني * صبّ قد استعذبت ماء بكائي
حتى إنه يروى أن أحدهم أرسل إليه زجاجة يطلب منه فيها شيئا من ماء الملام ، فقال أبو تمام : حتى تعطيني ريشة من جناح الذل . قيل : فاستحسنوا منه ذلك . وعندي أن ليس الأمر على ما ذكروه ، وأن هذا التعبير كناية عن الرفق في معاملة الوالدين ، وأخذهما باللين والرقة ، كما تقول : « واخفض لهما الجناح ذلا » ولكن لما كان ثمة صلة بين الجناح بمعنى جانب الإنسان وبين الذل ، إذ إن هذا الجانب هو مظهر الغطرسة حين يشمخ المرء بأنفه ، ومظهر التواضع حين يتطامن - أجازت هذه الصلة إضافة الجناح للذل لا على معنى الملكية ، فلسنا بحاجة إلى تشبيه الذل بطائر نستعير جناحه ، ولكنا بحاجة إلى استعارة الجناح للجانب ، وجمال ذلك هنا في أن اختيار كلمة الجناح في هذا الموضع يوحى بما ينبغي أن يظلّ به الابن أباه من رعاية وحب ، كما يظل الطائر صغار فراخه .
وبما ذكرناه يبدو أن بيت أبى تمام لم يجر على نسق الآية الكريمة ، فليس هناك صلة ما بين الماء والملام تجيز هذه الإضافة ، ولا سيما أن إيحاء الكلمات في الجملة لا تساعد أبا تمام على إيصال تجربته إلى قارئه ، فليس في سقى الماء ما يثير ألما ، ولو أنه قال : لا تجر عنى غصص الملام ، لاستطاع بذلك أن يصور لنا شعوره تصويرا أدقّ وأوفى ، لما تثيره هاتان اللفظتان في النفس من المشقة والألم .
* * *