تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من بلاغة القرآن — صفحة 172

مساهمون:

ص١٧٢
مجازا لغويّا من وصف الكل بصفة البعض ، إذ الوجل محله القلب ، وقياسا على ذلك جعلوا مثل محمد عالم وجاهل وراغب وخائف وما على شاكلتها ، مجازا لغويّا . ووجدوا كذلك في قوله سبحانه :
كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ( 3 ) بَشِيراً وَنَذِيراً
( فصلت 3 ، 4 ) . مجازا ؛ لأن البشارة والإنذار بعض ما في القرآن ، وفي قوله سبحانه :
فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ
وجدوا مجازا ، لأن الشهر اسم لثلاثين ليلة ، وقد أريد جزء منه . إلى غير ذلك من أمثلة يطول بي وجه إحصائها ، وبيان ما فيها من تكلّف وتفاهة ، ولو سرنا على منهجهم لوجدنا في كل ما ننطق به مجازا ، وليس في ذلك كبير نفع ، ما دامت الكلمة لا تسترعى انتباه القارئ ، ولا تستوقفه لتبين السر في استخدامها . لا أريد أن أمضى في بيان ما تكلفوه وجروا وراءه من تلمس الأسباب لعد الآيات من باب المجاز اللغوي ، وكل ما أريد قوله هنا هو أن أكثر هذه الكلمات أصبحت توحى بالفكرة من غير أن يثار في النفس المعنى المجازى . خذ مثلا قوله تعالى :
وَإِذا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسامُهُمْ
( المنافقون 4 ) . فإنهم قالوا إن فيه إطلاق الكل على البعض ، والمراد تعجبك وجوههم ؛ لأن الأجسام لا ترى كلها ، وإنما يرى الوجه فحسب ، ولا أرى تأويلا أبعد من هذا التأويل عن روح الآية ، فالجسم وإن كان لا يرى كله ، من المستطاع أن يدرك الإنسان بنظره ما عليه الجسم من جمال يبعث على الإعجاب ، ولا تريد الآية : تعجبك وجوههم ، ولكنها تريد يعجبك ما عليه أجسامهم من ضخامة ، وما يبدو فيها من مظاهر النماء والقوة ، وما عليه وجوههم من جمال ونضرة . وخذ قوله تعالى :
وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ ( 2 ) عامِلَةٌ ناصِبَةٌ
( 3 )
وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناعِمَةٌ ( 8 ) لِسَعْيِها راضِيَةٌ
( 9 ) ( الغاشية 2 ، 3 و 8 ، 9 ) ، قالوا إنه من إطلاق الجزء وإرادة الكل ، فقد عبّر بالوجوه عن جميع الأجساد ؛ لأن النصب والتنعم حاصل لكلها ، ولا أرى الذهن في حاجة إلى أن يفهم هنا من الوجه معنى الجسم ؛ لأن النصب والنعمة يظهران أتم ظهور على الوجه . وخذ قوله تعالى :
إِذْ قالَ الْحَوارِيُّونَ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ
( المائدة 112 ) . قالوا إنه من إطلاق الملزوم على اللازم ، إذ المراد هل يفعل ، فأطلق الاستطاعة على الفعل ؛ لأنها لازمة له ، ولا أرى في ذلك كبير غناء . ولكنك لا تعدم في بعض الأحيان روعة في بعض ما عدّوه من ألوان هذا المجاز ، كما في قوله تعالى :
يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ
( البقرة 19 ) . وقوله سبحانه :
ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ يَداكَ
( الحج 10 ) . وقد لا تكون اليد هي الفاعلة ، ولكن لما كان أكثر الأعمال بها ، جمل هذا التعبير وراق .