تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من بلاغة القرآن — صفحة 176

مساهمون:

ص١٧٦
الحديث عن المؤمنين بذكر بعض الأحكام التي يجب أن يتبعها هؤلاء المؤمنون ، ويعقب ذلك بالترغيب والترهيب ، ثم يولى ذلك بوصف اليوم الآخر وما فيه من جنة أو نار ، وهو في كل ذلك يتكئ على الغريزة الإنسانية التي تجعل المرء خاضعا بالترغيب حينا ، والترهيب حينا آخر ، والقرآن حين يستمد شواهده من حوادث التاريخ لا يستدعيه ذلك أن ينهج منهج المؤرخين ، فيتتبع الحادث من مبدئه إلى منتهاه ، وينعم النظر في الأسباب والنتائج ، ويقف عند كل خطوة من خطواته ، ولكنه يقف من هذا الحادث عند الفكرة التي تؤيد غرض الآية ، والجزء الذي يؤيد الهدف الذي ورد في الآيات ، وقل مثل ذلك في القصة عندما يوردها ، فإنها تساق للهدف الذي تحدّثنا عنه ، وهو من أجل ذلك ينظر إليها من زاوية بعينها ، ولا يرمى غالبا إلى قص القصّة برمتها ، وسوف نشبع الحديث في ذلك فيما يلي : يتنقل القرآن إذا بين الأغراض المختلفة ، لا اعتباطا وبلا هدف ، ولكن لصلات وثيقة تربط بين هذه الأغراض ، بحيث تتضافر جميعها في الوصول إلى الغاية القصوى وتحقيقها . ولنبدأ في تفصيل ما أجملناه مبينين الصلات الوثيقة التي تربط آية بآية ، ثم موضحين وجوه الترابط القوى بين الأغراض المختلفة في السورة الواحدة . فقد تقع الآية الثانية صفة لكلمة في الآية الأولى كما في قوله تعالى :
إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ ما ذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ ( 26 ) الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ
( 27 ) ( البقرة 26 ، 27 ) . وقد تكون الآية الثانية توكيدا لفكرة الآية الأولى ، كما تجد ذلك في قوله سبحانه :
قُلْ إِنْ كانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ( 94 ) وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ ( 95 ) وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلى حَياةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَما هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ
( 96 ) ( البقرة 94 - 96 ) . وقد تكون الآية الثانية ردّا على ما في الآية الأولى كما في قوله تعالى :
وَقالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْداً فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ ( 80 ) بَلى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ
( 81 ) ( البقرة 80 ، 81 ) . وقد تحمل الآية الثانية فكرة مضادة لفكرة سابقتها ، كما في قوله تعالى :
فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ ( 24 )